آرام من لندن: محمود الناكوع مفكر وأديب برز اسمه لامعاً في العقود الخمسة الأخيرة على مستوى تجاوز حدود العالم العربي،، وحيث يعيش في المنفى في بريطانيا يعرِّف نفسه في مقابلة صحفية سابقة نفسه بالقول "أنا من مواليد بلدة الزنتان بجنوب غرب ليبيا عام 1939 حيث درست بها المرحلة الابتدائية ومن ثم تابعت دراستي الإعدادية والثانوية بمدرسة غريان الثانوية خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي وأعتبرها من أهم المراحل في حياتي الثقافية والفكرية لكونها كانت غنية بالتطورات السياسية والفكرية في المنطقة العربية لاحتوائها أحداثا كبيرة كالثورة المصرية والثورة الجزائرية كما شهدت بدايات الاستقلال بليبيا ، ثم أكملت دراستي الجامعية بالجامعة الليبية في بنغازي بكلية الآداب والتربية حيث تخرجت منها في عام 1963 ، وانخرطت مباشرة في العمل الإعلامي"
ويتابع " ... فعملت محررا في قسم الأخبار العالمية بالإذاعة الليبية ثم ما لبثت أن انتقلت للصحافة عام 1967 ، حيث فتحت لي هذه المرحلة مجالا واسعا للكتابة في الصحافة الليبية ، سواء بالصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية ، وأرى أن مرحلة الستينات كانت من أهم المراحل الثقافية والسياسية في ليبيا حيث بدأ في ذلك الوقت إنتاج النفط والذي بدوره أدى إلى انتعاش الحركة الثقافية والعمرانية في ليبيا حيث كانت هناك عشرات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية وكان بعضها مستقلا وتوفرت في حينها مساحة جيدة للتعبير عن الآراء ، كما كان أيضا هناك تنظيمات سياسية كثيرة في ليبيا قومية ويسارية وإسلامية ، وانتميت حينها للتيار الإسلامي ولجماعة الإخوان المسلمون على وجه الخصوص ، ومن ثم جاء الانقلاب العسكري في ليبيا فأوقفت عن العمل الصحفي لاختلاف خطي ولوني السياسي عن خيارات الانقلاب ، وفي غمار ما سمي بالثورة الثقافية والإدارية عام 1973 اعتقلت لمدة عامين بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين ثم أفرج عنا بعد أن تبين أنه لم يكن هناك تنظيم في تلك السنوات لكون الجماعة قد جمدت العمل بعد هبوب رياح التغيير العسكرية في ليبيا".
ويقول "وفي عام 1978 هاجرت ليبيا وحتى اليوم ما أزال مهاجرا ومعارضا للنظام السياسي الليبي حيث ساهمت في تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ، ولخلاف بالاجتهادات انسحبت من العمل عام 1990 وتفرغت للعمل الفكري وللكتابة والتأليف فأصدرت حتى الآن عشر كتب نشرت اغلبها من مدينه لندن التي وجدت فيها هامشا جيد ا من الحرية والقدرة على الحركة وكتابة ما أريد ".
** مقال محمود الناكوع
وأخيرا، نشرت صحف عربية ومواقع الكترونية مقالا للكاتب والمفكر الليبي تحت عنوان "مصارع الإبداع وأسوار صحافة الشعارات" ولأهمية المقال ومدلولاته تعيد (آرام) نشر المقال:
،، الشعارات جميلة عندما تكون علامات مميزة لفرق الكشافة، أو للنوادى الرياضية، أو لإبتكارات صناعية متميزة، أو ما شابه ذلك. ولكن عندما تدخل الشعارات الى دنيا السياسة والفكر والإبداع، وتوظف بطرق سيئة وفاشلة تتحول الى اسوار تحجب عن أصحابها رؤية الواقع، وتحول دون تقدمهم الى الأمام، وتجمد أفكارهم عند حرفية تلك الشعارات. وفى دنيا الصحافة تتحول الشعارات فى كثير من الأحيان الى سلاسل تكبل عمل الكتاب والصحافيين وفى النهاية يفقد حاملوا تلك الشعارات القدرة على تنمية قدراتهم الصحفية، بل ويفقدون القدرة على التعايش مع من حولهم من الناس وقضاياهم وهمومهم، وينتهون الى مرحلة تتهشم فيها أقلامهم على أسوار تلك الشعارات المتحجرة.
هذا ما حدث مع جميع النظم والأحزاب العربية عبر نصف قرن من الزمان،تلك النظم التى رفعت شعارات: الإشتراكية، والديمقراطية الشعبية، او الديمقراطية المباشرة، او الرئيس الخالد،او الحزب الخالد الى غير ذلك من الألقاب والصفات الفخمة المجوفة. هي رفعت تلك الشعارات ولم تكن صادقة فى التعامل مع أي من تلك الشعارات فسقطت صحافتها وشعاراتها تحت الأقدام ورميت فى المزابل.
الصحافة واجهة لمن تنطق بإسمه، فإما ان تكون واجهة جميلة بمادتها وإخراجها، وإما ان تكون واجهة قبيحة لقبح سياساتها وتدنى مستوى لغتها، كما تدنى وإفلاس أفكارها. وصحافة الشعارات والسياسات الفاشلة لا صفة لها إلا صفة القبح. وعندما تكون الصحافة معبرة عن الشعب،تكون الرسالة الأخلاقية والمسئولية المهنية أكبر، فالشعب يتصف بالتنوع فى حاجاته وتطلعاته ورغباته، والصحافة الحقة هي التى تجسد ذلك التنوع وتلك التطلعات. لكن صحافة الشعارات لا علاقة لها بالتنوع الإجتماعى،ولا بتطلعات الناس وما تريد.
عندما يقرأ الإنسان صحف الشعارات الأيديولجية، ومنها الصحف الحكومية الليبية، يجد عشرات العناوين والمقالات التى تجسد التكرار الممل والأساليب النافية للتنوع، ويجد سياسة الوعود الفارغة، والتى تتضمن كلاما لانبض ولا روح فيه، ولا علاقة لها بالواقع، ولا علاقة لها بإبداع المخيلات، ولا بلغة القصص الرمزي الجميل... هي خالية من كل مقومات العمل الصحفى، تقريرا، تحقيقا، مقالة، بحثا ـ إلا حالات استثنائية لأقلام استثنائية ـ لماذا يحدث مثل هذا المرض القاتل للإقلام، المشوه للإنسان فى هكذا صحافة، وهي التى يفترض انها احدى مرايا الدولة والمجتمع عند القراء.
هل المجتمع الليبى هو كما وصفه عبد الرحمن بدوى فى مذكراته وارائه ـ الغاضبة وغير الموضوعية ـ عندما تحدث عن بعض أهل العلم فى طرابلس وبرقه قائلا (...ويعجب المرء لهذا الفقر المدقع فى الفكر والتحصيل العلمى فى بلاد تبلغ مساحتها مساحة مصر مرتين.... ـ وكأن المساحات هي مصدر الإلهام والإبداع !!ـ وبعد محاولات لتفسير أسباب العقم كما زعم ـ قال ( لا تفسير إذن لهذا العقم الفكرى الذى أصاب ليبيا طوال تاريخها منذ الفتح الإسلامى، وتلك عجيبة من عجائب هذا البلد، وقد صدق أرسطو حين قال: (ليبيا تأتى دائما بالعجائب) ص 163 / 164.سيرة حياتى الجزء 2.
من يتابع الصحف الحكومية الليبية، ولو على فترات متقطعة، ولو بعد شهور اوسنوات متقطعة، يجد اسلوب كتابة العناوين هو ذات الأسلوب، اسلوب الشعارات وجميعها تكون سورا بين القارئ وبين الإستمرار فى تقليب صفحاتها. القارئ فى عالم سريع التغير، وكثير التنوع يبحث عن الجديد المشوق والمثير من خلال العناوين، ومن خلال ما توحى به تلك العناوين من معانى وابعاد.
فى بلدان حرية الصحافة يلاحظ القارئ أن تلك الصحف تبدع فى عناوين الأخبار والتقارير، وتكاد لا تجد تكرارا لعنوان الحدث الواحد، بينما فى دولة الشعارات المتخلفة نجد تكرار العناوين فى جميع الصحف، وهو ما يحدث كل يوم تقريبا فى الصحافة الحكومية الليبية.
إن الشعارات قد اصبحت حالة نفسية وفكرية تهيمن بحروفها ومعانيها المحددة والجافة على الصحفى فلا تسمح له بأي دور او تفاعل ابداعي خاص.الصحفى يصبح اداة لنقل المعلومات كما وردت له، ولا حرية له فى التعامل بمهارة المهنة الصحافية،لأنه مكبل بسلاسل الرقابة، والتوجيهات الرسمية، والكثير من الخطوط الحمراء... ومع طول الزمن وتكرار تلك الأنماط من السلوك اليومى تتخشب كلمات وجمل الصحفى، وتنتهى رسالته، ويكتب شهادة وفاته المهنية بيده على أوراق تلك الصحافة.
هل حقا إن المجتمع الليبى لا تلد أدمغة أبنائه وبناته الأفكار، ولا ينتج شيئا مفيدا ذا قيمة، أم أن لكل حالة أسبابها؟... وهل العيب فى الصحفى الليبى، أم فى السياسات التى تفرض عليه فرضا، ولا خيار له، إلا أن يسمع ويطيع؟!
الصحافة لا يمكن ان تزدهر، وأن تتلقفها أيدى القراء فى كل صباح إلا اذا كانت حرة طليقة من قيود الرقابة الخائفة من ذكر الحقيقة.
الصحافة تعيش وترتفع أرقام توزيعها بما تنشره من معلومات وتحقيقات تلامس بقوة وشفافية واقع الناس ومعانتهم اليومية، وبما تكشف من أخطاء ومفاسد فى كل ميدان، وفى كل زاوية من زوايا الحياة.وهي صحافة لها تقاليدها فى تحرى الحقيقة واحترام ثوابت المجتمع، وحرمات الأفراد والعائلات.وما ينطبق على الصحافة ينطبق على كل مجالات الفكر والمعارف والفنون و الآداب، فجميعها تذبل وتموت فى غياب حريات التفكير والتعبير والنشر، وفى غياب الأجواء الصحية ثقافيا وسياسيا.
حالة العقم تكون لأسباب كثيرة منها غياب تلك الحريات، وغياب الحريات تكون لأسباب عدة منها تخلف المجتمع، وخاصة قياداته. وحيث ما ترتفع أسوار الشعارات، يختفى بريق وجمال العمل الصحفى، وتتحول الصحف الى ورق وحبر وكلمات ميتة، تنتجها أقلام وعقول مهشمة...وعندما يمر المؤرخ لتاريخ الصحافة فى تلك الحقبة سيقول هنا كانت مصارع الإبداع.
تلك هي حال الصحافة الحكومية، أما الصحافة الأخرى، فهي ما يطلق عليها صحافة الغد. والحديث عن الغد، وعن المستقبل دائما يوحى بالأمل ويوحى بالتجديد. صحافة المستقبل لابد ان تكون غير صحافة الماضى،لأن طبيعة الحياة التجدد.
صحافة مؤسسة الغد لا شك انها تتميز بهوامش من الحرية وربما الحماية، تجعلها أكثر قبولا وجاذبية لدى القراء، وتبدو أكثر جرأة على طرح بعض المواد المتحررة من الشعارات التقليدية التى دأبت على تمجيدها وتكرارها صحافة اللجان بمسمياتها المختلفة... هي صحافة لا تخضع لرقابة مثل تلك التى تمارس منذ زمن بعيد على صحافة اللجان الفاشلة. ويبدو أن صحافة الغد ومنابر الغد الأخرى ستستقطب العدد الأكبر من الأقلام الشابة والموعودة بمستقبل افضل، والمبشرة برؤية جديدة لليبيا الغد، إذا كتب لها البقاء والإستمرار بنفس جديد يعكس لغة جديدة ورؤية جديدة.
هناك من يتساءل هل فعلا ستستمر إنطلاقة إعلام شبكة الغد دون أية معوقات، أو مفاجآت تعطل هذه التجربة التى ما تزال تتعثر فى مراحلها الأولى؟ هل المنابر الإعلامية والسياسية ستدار بأساليب موضوعية حتى تؤتى ثمارها؟ أم هناك من يستعد لإجهاضها قبل أن يقوى عودها وتورق أغصانها؟ أسئلة كثيرة تثار فى مجالس وأحاديث المهمومين بالوطن حاضره ومستقبله.
* كاتب ليبي