*تحية وفاء للفنان الصديق وليد قارصلي في ذكرى رحيله الثانية
**ألف رسالة تبادلناها في صباحات ممطرة حينا،مزهرة أحيانا أخرى،كان للصباح نكهة التفاح الأخضر ،ورائحة النرجس البري ،صوته عندما يتدفق عبر سماعة الهاتف يُغْرق الكون بالياسمين والنرجس.. تدق كلماته باب الأمل، فيورق النهار فوق أصابع التفاؤل
? تعالي نبدأ النهار معاً، أنت توقظيه بلمسةٍ منك ،وأنا أدغدغه قليلا كي ينهض..
أنت تأكلين قسماً منه، وانا قسماً، ثم تمديّن ما تبقى منه كالبساط، وتمريّن فوقه برقصة فالس.. وأنا اصنع بالباقي طائرات ورقية وفقاقيع، ونظل نعبث بالنهار، إلى أن يذوب بين أيدينا فنرمي اشلاءه إلى غول الليل وننساه..انظري.. هاهو نائم هناك..
هيّا يا صديقة..تعالي كي نبدأ النهار، وكي لا تضيع تحية الصباح،في زحمة النهار، لأنني قررت طبخها على نار هادئة منذ منتصف الليل....
افتح نوافذي، أعانق شمس الصباح، بينما فنجان القهوة يدعوني لإرتشافه بشهية صباحك المترع بالأمل،أمل رجل عشق الحياة كثيرا، ورسمها بريشة لاينضب لونها.. فكم من المرات توقفت أمام لوحاتك مذهولة من قدرتك الفائقة على رسم أدق التفاصيل في جسد
وكم أذهلتني، قدرتك الرائعة على رسم الوردة، حتى كدتَ ترسم حباّت غبار الطلع التي تركتها أرجل فراشة، توقفت فوقها في الربيع .
وكم أعجبتني، تلك الشرفة المهجورة بسياجها الخشبي، الذي نخره السوس ،اذ لم تنس رسم النتوءات الصغيرة التي تركتها الرياح في إحدى قطع الخشب المرصوف، بعناية في ذلك السور
صباح التبولة والخس والنعناع
أي روح ساخرة ومرحة، تحمل في داخلك ،وكم أنت متفائل أيها الرجل.. كنت أتأمل لوحاتك الزيتية في كل المعارض التي دعوتني لحضورها ،وكنت افتقد وجودك هناك ، ولطالما سألت نفسي :لماذا لايحضر صاحب هذا الإبداع، معرضه؟
احمّر وجهي خجلا وتلعثمتُ ،شعرتُ بأن لساني شلَّ للحظات، ولم اعد أقوى على الكلام، عندما زرتك يوما في بيتك، وانا أراك جسدا مسجّى فوق فراش، ملَّ طول مكوثك فيه!؟
انت الرجل المتفائل الذي اعطيتَ لإيامنا، كل البهجة والتفاؤل؟
أنتَ ذلك الفنان الذي أبدع في رسم الحياة والجمال والحب، في لوحات فائقة الروعة والجمال؟
أنتَ، ذلك الساخر المبتهج، المشاغب في حواراتنا المشتركة، مع الاصدقاء عبر الرسائل الإلكترونية اليومية؟
أذهلتني حقيقة وجودك لأكثر من ثلاثين عاما، حبيس فراش، وغرفة ضيقة، لانافذه فيها، تريك مايدور في الخارج ؟
كان اللقاء الأول مذهلا، خرجت منه وأنا اكثر تفاؤلا ،ولمت نفسي كثيرا، بل ولمت كل من حولي، أذ كيف نبدد أوقاتنا بالترّهات، بينما رجل فَقَدَ كلَّ مقوِّمات الحياة الطبيعية، يستطيع وهو مسجى في فراشه من دون حراك، أن يخلق من بين أصابعه، عوالم شاهقة، وأحلاما ملونة، يحققها على الورق، ومن خلال ريشته القديمة؟؟!!
رحمك الله ياصديقي وليد وكل سنة، وأنت أكثر حضوراً من بعض الأحياء، الميتين! وأسكنك فسيح جنانه..