لا احد ينكر وجود انتاج سينمائي خليجي مما شجع على قيام عدد من المهرجانات السينمائية بالمنطقة تأخذ على عاتقها النهوض بالسينما الخليجية، ودعم وتشجيع الموهوبين بها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا المجال هو: هل هذا الإنتاج المعتمد في معظمه على محاولات واجتهادات فردية يرتقي الى مستوى السينما الخاصة مع افتقارها لأبسط تقنيات الفن السابع وآلياته؟ وهل يؤسس هذا الإنتاج لصناعة سينما خليجية قوية ومميزة على مدار العام وليس في المناسبات فقط؟ وما الذي يعوق قيام هذه السينما في ظل توفر الامكانات المادية والبشرية؟ كل هذه التساؤلات عن أحوال السينما الخليجية توجهنا بها الى الفنانين والمعنيين ليقولوا كلمتهم في هذا التحقيق .
يقول الفنان الكويتي سعد الفرج: ما يحدث حالياً هي مجرد اجتهادات ومحاولات سينمائية على طريق صناعة سينما خليجية، ومازال ينقصنا الكثير لنصل اليها، بدءاً من التمويل الذي هو أساس الصناعة ويا حبذا لو دخلت الجهات الرسمية مجال الانتاج لأن ذلك سيمنح افلامنا القوة والانتشار اللازم، ناهيك عن ضرورة التركيز على العنصر البشري باعتباره جوهر العملية الفنية، إذ إن شبابنا يحتاجون الى الاحتكاك بمن سبقونا في مجال صناعة السينما عالمياً وعربياً والاستفادة منهم كي ينتجوا أعمالاً مميزة تصلح لأن يقال عنها سينما، مع ضرورة الارتقاء بالنصوص والخروج من مأزق الاستهلاك والتكرار والاستسهال. أما اخراجياً فمطالبون بخلق رؤية واضحة بعيدة فعلياً وعملياً عن الاخراج التلفزيوني والمسرحي الذي يعملون به واعتماد التقنيات السينمائية الخاصة .
وتؤكد الفنانة موزة المزروعي أن الأفلام الخليجية تصلح لأن يقال عنها “سينما” كما أنها تمتلك كافة المقومات من نص وتمثيل واخراج، كي تنافس عربياً حاصدة الجوائز والنجاح الفني والجماهيري، خاصة وأنها تعبر بلغة سينمائية راقية وواضحة عن المشكلات والهموم والقضايا الخليجية، والتي لا يقدر التلفزيون على التعبير عنها. مشيرة الى أن ما ينقص لايجاد صناعة سينما خليجية دائمة هو الدعم الحكومي الذي يؤسس لسينما قوية خاصة في ظل وجود الكوادر البشرية المؤهلة لصنع سينما مميزة، فقبل ما يزيد على العشرين عاماً قدم المخرج علي العبدول فيلمه الطويل “عابر سبيل” الذي حقق نجاحاً فنياً وجماهيرياً، إلاأن غياب الدعم والتمويل لم يشجع هذه الصناعة وتراجعت، علماً أن الامارات تمتلك كافة المقومات للتأسيس لسينما مميزة على مدار العام، خاصة في ظل تعطش الجمهور لها واقباله على مشاهدتها
الفنانة البحرينية هيفاء حسين ترى أن السينما البحرينية وبفضل بسام الذوادي تتطور عاماً بعد عام مما احدث حراكاً ورواجاً في الساحة السينمائية البحرينية في ظل وجود الكوادر الفنية المؤهلة والعاشقة للفن السابع، مما يبشر بوجود سينما حقيقية في البحرين تحتاج الى وجود المنتج الجريء الواثق من إمكاناتنا وقدرتنا على جذب الجمهور لمشاهدة هذه الأعمال، ومن المهم ايضاً ان يؤمن بأهمية الفن السابع ودوره في تغيير المجتمع والتعبير عن همومه وقضاياه. واشادت هيفاء حسين بدخول الجهات الحكومية مجال الانتاج السينمائي خليجياً، إذا أردنا تحويلها من مجرد محاولات الى صناعة قوية وحقيقية كي يتواصل الانتاج طوال العام بشكل جيد ومتميز يعكس مدى امتلاكنا للإمكانات المادية والبشرية والفنية التي تؤهلنا لصناعة سينما خليجية تؤرخ لبلداننا وتحولاتها الاجتماعية عبر تناولها الموضوعات التي يصعب مناقشتها تلفزيونياً
وتبرر الفنانة زهرة عرفات رفضها المشاركة في عدد من الأفلام الطويلة بالقول: رفضت المشاركة في عدد من الافلام الخليجية حتى الطويلة منها لأنني لم اجد الفكرة أو السيناريو الذي يشدني ويجبرني على قراءته حتى النهاية، فمعظم السيناريوهات المكتوبة للسينما اشبه بالسهرات التلفزيونية حيث تسيطر لغة السرد من دون أي تكثيف للأحداث وغياب التشويق ما يجعل معظم الانتاج السينمائي الخليجي مملاً ولايحظى بإقبال جماهيري وبالتالي فإن المشاركة بهذه الأفلام تعتبر مغامرة فنية .
وتضيف: نحتاج الى معاهد للسينما على غرار معاهد المسرح والتلفزيون والفنون الأخرى، تخرج منها أجيال من السينمائيين في كافة المجالات المتعلقة بصناعة الفن السابع من مؤلفين وممثلين ومخرجين يدعمون العلم بالخبرة من خلال التواصل مع أصحاب الخبرة الفنية العربية والاجنبية مع حاجتنا الماسة الى التمويل اللازم لاستمرارية هذه الصناعة وتأسيسها والارتقاء بها وترسيخ ملامحها وذلك عبر منتجين يثقون بالكوادر الفنية الخليجية وبقدرتها على صنع “المعجزات” فنياً. ومن المهم انتاج فيلم خليجي “يزلزل” كيان الجمهور الخليجي ويدفعه لمتابعة كل ما تنتجه السينما الخليجية، لأن الجمهور لن يدفع ثمن تذكرة لمشاهدة ما ليس له علاقة بالسينما ومواضيع مستهلكة تلفزيونياً من قبل.
بينما يقول الفنان الكويتي ابراهيم الجربي: السينما الخليجية وبخاصة في غير الكويت لاتزال تتلمس طريقها في محاولات واجتهادات تفتقد اللغة السينمائية غالباً، وتقترب من التلفزيون كثيراً، مع غياب الرؤية الفنية الواضحة في الاخراج ما يبعد عنها الجمهور الذي يعتبر أهم أسس قيام أي عمل سينمائي جيد ومميز. ويضيف الحربي: لا بد أن نستفيد من الحماس الزائد للشباب السينمائيين الخليجيين عبر اشراكهم في دورات وورش عمل ودفعهم للاحتكاك فنياً بالاجانب والعرب من الرواد في صناعة السينما كي يتعلموا منهم سر الصنعة، مما يؤسس لسينما خليجية حقيقية ومتميزة شرط دعم المسؤولين المتحمسين والمؤمنين بأهمية تثقيف وتنوير الشعوب والارتقاء بها عبر الافلام السينمائية الهادفة والجيدة .
ويقول الفنان البحريني خالد فؤاد: إن السينما الخليجية مازالت مجرد محاولات واجتهادات يصعب أن تنافس عربياً أو عالمياً في المرحلة الراهنة، لكن مع تكثيف الإنتاج واستمراره خاصة مع وجود الكوادر الفنية المؤهلة لذلك سيكون لدينا انتاج سينمائي كثيف نستطيع من خلاله مجاراة الفن السابع عربياً وعالمياً عبر التعلم من اخطائنا وتصحيح مسارنا الفني، بما يبشر بوجود سينما حقيقية ومميزة ولا ينقصنا سوى التمويل الدائم، لتصبح واقعاً ملموساً أمامنا نعبر من خلالها عن مشكلاتنا وهمومنا وقضايانا بعدما نجحنا في ذلك مسرحياً وتلفزيونيا .ً
بينما ترى الفنانة ابتسام العطاوي أن السينما الخليجية ينقصها كتاب متخصصون يحبون الفن السابع، لأن الكتابة السينمائية تختلف عن التلفزيونية والمسرحية. بذلك نؤسس لسينما خليجية مميزة معبرة عن طموحاتنا وهمومنا، واعتقد أننا بدأنا نسلك الطريق الصحيح ولا ينقصنا سوى الاستمرارية على ذات النهج مع وجود كافة الامكانات المادية والبشرية المؤهلة لأن نتقدم سينمائياً وتنافس عربياً بعدما نجحنا في ذلك تلفزيونيا .ً
ويشير المخرج حسين عباس الحليبي الى أنه مقتنع بأولى تجاربه الاخراجية السينمائية الطويلة في فيلم “اربع بنات” على الرغم من بعض الانتقادات التي وجهت له حيث يرى أنه نجح في طرح قضية جديدة من خلال قصة اربع فتيات ينتمين لخلفيات ثقافية واجتماعية متباينة يقررن تأسيس مشروع صغير هو مغسلة للسيارات ولكنهن يواجهن انتقادات اسرهن إضافة الى العادات والتقاليد والمجتمع الرافض لهذه الفكرة، وذلك بأسلوب سينمائي شائق. واعتبر حسين ان ما يقدم من سينما شبابية خليجية يجب أن يعامل باحترام وتقدير كونه مجهوداً فردياً على أمل ولادة صناعة سينما خليجية متميزة ينقصها على حد قوله الكوادر الفنية المؤهلة والدراسة المتخصصة بالفن السابع والمعاهد السينمائية المتخصصة في تخريج اجيال من الموهوبين فنياً والمعامل والاستديوهات المعنية بالتصوير والمونتاج والعمليات الفنية المختلفة، وهي بنية تحتية لا قيام للسينما الا بها، دون ان ننسى المنتج الذي هو لب العملية السينمائية الذي يجب أن يكون جريئاً ومحباً للمغامرة ومؤمناً بدور السينما وأهميتها .
أما المؤلفة والمخرجة الاماراتية منال علي بن عمرو فتقول: أعتقد اننا نسير على الطريق الصحيح سينمائياً وان ما ننتجه من أفلام كشباب وبإمكانات محدودة نعتمد فيه كثيراً على تمويلنا الخاص، يرتقي لأن يقال عنه “سينما”، لا ينقصه “التكنيك” ومنهج الفن السابع سواء على صعيد الفكرة أو السيناريو أو التمثيل والاخراج، وهو ما شجع كبار الفنانين الخليجيين على المشاركة في فيلم “جنة مريم” الذي كتب السيناريو له وأخرجه محمد الحمادي وهذا اعتراف بأننا نقدم سينما جيدة ومميزة .
وتضيف: هذا لا يمنع ضرورة ان نصقل مواهبنا بالدراسة والتواصل مع مختلف المدارس السينمائية العالمية والعربية وان يتم افتتاح معاهد للسينما خليجياً مع ضرورة توفر الدعم لنا كي نواصل مشوارنا مع الفن السابع ونقدم سينما مميزة وقوية وجماهيرية تنجح في أن تعبر عنا وعن قضايانا بما يحفز الجمهور على حضور أعمالنا .