يخزيك أن تنحاز مع أي فريق في حرب أهلية. فتلك الحروب فاقدة الشرعية تساق الأكثرية إليها عنوة دون إرادة منها. نظريا هذا صحيح. واقعيا يبدو من الصعب إن لم يكن مستحيلا الوقوف على الحياد. خصوصا أن معظم، وربما كل، حروب المقاومة أضمرت في ثناياها حروبا أهلية، قيل هذا في حروب التحرير في اليونان وفيتنام والجزائر.. وفلسطين والعراق ولبنان مؤخرا.
يجاب على السؤال من أدبيات التاريخ الإسلامي "العواصم من القواصم" أي العصمة من الفتنة بتجنبها:"تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا". فلا يخاض في الفتنة إلا من بوابة إصلاح ذات البين. يصلح موقف كهذا لمؤرخ يكتب بعد ثلاثين عاما من وقوع الفتنة لا لمعلق يكتب بعد ثلاثين دقيقة من وقوعها.
واقعيا، مهما كان المعلق او المثقف أو السياسي نزيها ويأخذ المسافة ذاتها من أطراف النزاع لا بد من أن يحسب على أحد الأطراف. فالحروب الأهلية لا تقبل المساومات والتسويات. إلا أن صعوبة الحياد لا تعطي الانحياز شرعية أقله في ضمير الكاتب. والأسوأ من ذلك أن يكون الانحياز على أسس طائفية، بمعنى أن يكون مع حزب الله لأنه من طائفته أو يكون مع الحريري لأنه من طائفته.
تريح الاختراقات هنا. كما حدث في بيان الشخصيات الأردنية، فمهما اختلفت مع موقفها سياسيا تظل قيمته أنه عابر للطوائف. فمجتمع سني مثل الأردن قادر على الانخراط تماما في الفتنة وهو الذي شاهد تهجير العرب السنة في العراق عراقيين وفلسطينيين. ولا تنقصه مزيد من شحنات العداء لأميركا وهو يشاهد تحالف شيعة العراق مع أميركا.
وما يريح أكثر لو صدر بيان من شخصيات شيعية في العراق أو البحرين تنحاز لخيار" الأكثرية" في لبنان. هنا يحدث اصطفاف سياسي لا طائفي يسهم في تطويق الحرب الأهلية في لبنان ويحول دون انتشارها في الإقليم.
رفض البيان تصنيف المعركة الدائرة في لبنان وفق أسس "مذهبية أو طائفية أو إقليمية لأن المعركة تدور في حقيقتها حول كيفية تشكيل الوطن العربي والأمة العربية، هل يتشكلان وفق إرادة ومصلحة الأمة العربية أم وفق إرادة ومصلحة أعداء الأمة العربية. ويصنف المعركة "بين قوى المقاومة والمواجهة والاستشهاد وبين قوى الهيمنة والأمركة والتهويد والاستسلام، لذلك فإننا ونحن نعي أن المقاومة هي البديل العربي في مواجهة البديل الصهيوني– الأميركي فإننا بنفس الوقت على قناعة تامة بأن المقاومة والصمود العظيمين في لبنان وفلسطين والعراق تتبناها كتل شعبية عربية وعالمية كبرى تشكل مصدراً لقوتها وانتصارها، ويكفينا شرفاً أننا ننتمي إلى أمة فجرت أعظم مقاومة للاحتلال عرفها القرن الواحد والعشرون وأواخر القرن العشرين".
حصلت اختراقات داخل لبنان في هذا السياق مثل موقف الداعية الإسلامي فتحي يكن ومن معه في "جبهة العمل الإسلامي"، وفي موازاتها حصلت اختراقات في الجبهة الشيعية –على ندرتها– مثل موقف مفتي صور وجبل عامل الشيخ علي الأمين الذي انحاز إلى خيار الدولة.
وقع البيان إسلاميون وقوميون ويساريون، الأكثر مفارقة كان موقف القوميين الذين شكلوا ردا عمليا على من يتهمون حزب الله بـ"الفارسية" فتوقيع هاني خصاونة لا تكمن أهميته في أنه وزير إعلام سابق، وإنما في كونه بعثيا عتيقا وصديقا للرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وهو قال مع من وقعوا:"وإننا نجزم أن سماحة السيد حسن نصر الله هو القائد الذي اختاره الشعب العربي قائداً لمقاومته وذلك لمواصفاته القيادية في مواجهة الغطرسة الصهيونية الأميركية. إننا نتشرف بأن نعلن بأعلى صوت أننا نعتبر أنفسنا جزءا لا يتجزأ من المقاومة للمشروع الصهيوني الأميركي بقيادة حزب الله وبقيادة سماحة السيد حسن نصر الله".
لا يحتاج حزب الله إلى حلفاء في معركة محسومة على الأرض، بقدر ما تحتاج مفاهيم الانتماء الطائفي إلى من يقوضها ويبني مكانها مفاهيم انتماء الأمة بتاريخها ومصالحها. سواء اختار المنتمون للأمة موقف الانحياز للمقاومة أو للدولة المهم ألا يكون الانحياز للطائفة "إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد".
هل أجيب على سؤال العنوان؟ قطعا لا فهو من نوع كيف تتعلم الإنجليزية في أسبوع.
abuhilala@yahoo.com