مهند وحسن وماجد، ثلاثة شبان تجمع بينهم سمتان رئيسيتان: يقطنون العمارة نفسها، ويعانون ما يسمونه ساخرين «انفصاماً في الهويتين التعليمية والعملية». مهند «أستاذ» تحول إلى «دكتور»، أما حسن فهو «دكتور» أصبح «باشمهندس»، وماجد «كابتن» وجد نفسه «نادلاً».
الحكاية ببساطة هي أن كل من الأصدقاء الثلاثة أمضى بين أربع وسبع سنوات يدرس في تخصص معين في الجامعة، ثم تخرج ليجد نفسه في عمل لا يمت بصلة لما درس. مهند (25 سنة)، درس أصول اللغة العربية لكنه لم يجد عملاً يدر عليه دخلاً شهرياً مناسباً إلا في صيدلية حيث يبيع الأدوية والمستحضرات الطبية والتجميلية. ولأنه يفترض أن يكون الصيدلي الذي يقرأ «روشتة» الطبيب ويصرف العلاج، بل وينصح بأدوية بديلة في حالة عدم وجود الدواء الموصوف، وأحياناً يأتيه من يشرح له الأعراض المرضية التي يشعر بها، يبادر إلى إعطائه الدواء المناسب، فقد انتقل من صفوف «الأساتذة» إلى فئة «الدكاترة»!
يقول مهند إن صاحب الصيدلية سعيد بأدائه في عمله، وأكثر سعادة بقدرته على وصف علاجات بسيطة لأمراض شائعة، مثل البرد والسخونة والسعال وغيرها، الغريب أن مهند لا يرى ضرراً في ما يفعل، بل يرى نفسه موهوباً، وقادراً على تنمية موهبته بالقراءة والاطلاع، إذ يمضي مهند الأوقات التي تكون فيها حركة البيع هادئة في الاطلاع على النشرات الطبية للأدوية المختلفة، ولا يكتفي مهند بإنكار حدوث أية مشاكل ناجمة عن عدم دراسته للصيدلة أو الطب، بل يؤكد أنه أفضل من صيادلة آخرين درسوا الصيدلة فعلياً، لكن لا يتكبدون عناء الاطلاع على النشرات الطبية ومعرفة ما هو جديد والآثار الجانبية المحتملة والتركيبات الخاصة بكل دواء. مهند غير نادم إلا على السنوات الأربع التي أمضاها في دراسة قواعد اللغة العربية وهي دراسة بالغة الصعوبة لا تمت بصلة لعمله الحالي الذي يحبه.
وبعيداً من السنوات السبع التي بذل خلالها حسن (27 سنة) الكثير من الجهد والسهر وبذل والده كذلك الكثير من المال، ومن قبلها عامان استنفدا كل موارد الأسرة المادية ليتفوق في الثانوية العامة محرزاً المجموع الذي يحقق للأسرة غاية المنى والأمل في أن يكون حسن «دكتور قد الدنيا»، وجد نفسه بعد التخرج في «حيص بيص». فلا درجات تخرجه ولا جذوره الأسرية تؤهله للعمل ضمن هيئة التدريس، ولا علاقاته ولا خبرته تسمح له بالحصول على فرصة عمل في مستشفى استثماري، ولا مستوى المعيشة المتعثر أصلاً يسمح له العمل طبيباً في وزارة الصحة بل هو يحتاج إلى مصروف من أبيه ليضيفه الى الراتب.
كان الحل الوحيد المتاح أن يتخلى حسن عن «حلم الخمسة» الذي كان حلم كل طبيب مصري حتى وقت قريب (عيادة وعربية وعروس وعزبة وعمارة)، ويتحول إلى عالم المبيعات الرحب. يقول إن حظه أفضل بكثير من أطباء زملاء له، إذ تمكن من العثور على فرصة معقولة في شركة أدوات وأجهزة طبية كمندوب مبيعات، ويعترف مهند بشعوره أحياناً بقدر غير قليل بنوع من الحسد وأحياناً الحقد على أطباء شباب يزورهم في عياداتهم بغرض ترويج جهاز طبي أو متابعة عملية الشراء وغير ذلك، «فكثيراً ما يعاملونني كأنني مندوب إعلانات أو بائع متجول، فيرفضون مقابلتي أو يدعونني للانتظار في العيادة حتى ساعة متأخرة من الليل لحين انتهاء الكشف على كل المرضى»، لكن ما يؤثر سلباً على نفسية حسن أكثر هو لقب دكتور الذي فقده في التعامل مع الناس، واستبداله بلقب «باشمهندس» الذي يطلق على كل من لا تخصص مهني محدد له في مصر بدءاً من سائق سيارة أجرة مروراً بموزع الجرائد وانتهاء بخريج الطب الذي يعمل في المبيعات.
مبيعات من نوع آخر وجد ماجد (24 سنة) نفسه منخرطاً فيها، ألا وهي مبيعات الأطعمة والمشروبات، أو على وجه الدقة تقديمها للعملاء في مطعم الفندق الذي يعمل فيه، كان ماجد يحلم بالالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لكن مكتب التنسيق أطاح به في كلية التربية الرياضية، وعلى رغم أنه يحب الرياضة عموماً، لكنه لم يكن يخطط بأي حال من الأحوال أن يتخصص فيها، ورضي ماجد بالأمر الواقع، آملاً في أن يجد فرصة عقب تخرجه للعمل كمدرب في أحد النوادي الخاصة مؤملاً نفسه براتب ضخم كما كان يسمع من بعض زملائه. لكن الواقع كان شديد الاختلاف، إذ وجد نفسه بين خيارين لا ثالث لهما، إما العمل كمدرس تربية بدنية في مدرسة ابتدائية أو العمل في المجال الفندقي، فاختار الأخير لأن فرصة الترقي فيه أوسع واحتمالات التنقل وربما السفر الى الخارج أكبر. ويعمل ماجد حالياً نادلاً في مطعم في فندق راق، وعلى رغم الدخل المعقول الذي يحققه من عمله هذا إلا أنه يصف نفسه بـ «الضائع»، فهو تخصص في مجال فرض عليه، وعمل في مهنة ما زالت الغالبية تنظر إليها باعتبارها مهنة دونية.
وعلى رغم أن النسب المعلنة في دراسات رسمية وغير رسمية تشير إلى أن أعداداً قليلة فقط هي التي تعمل في مجالات بعيدة من مجال تخصصها الدراسي، إلا أن واقع الحال يشير أحياناً إلى العكس، فنتائج مسح الطلب للقوى العاملة في عام 2003 أشارت إلى أن نحو 18 في المئة من العاملين يرون أن مؤهلاتهم لا تتلاءم وطبيعة الأعمال التي يقومون بها، ونحو 19 في المئة تصف العلاقة بين الدراسة والعمل بـ «المتوسطة». وبحسب تقرير لمنظمة العمل العربية صدر في عام 2004، فإن أعلى نسبة بطالة بين الشباب المصري هي بين الحاصلين على شهادات متوسطة (70 في المئة)، وأن النسبة بين الأميين لا تتعد أربعة وواحد من عشرة في المئة، وهو ما يعني أن الشاب الأمي لا يجد نفسه مضطراً للبحث عن عمل في مجال معين تخصص فيه ودرسه، ولكنه يعمل في ما تدرب عليه أو في ما يتمكن من عمله بغض النظر عن نوعه.
حالة مهند وحسن وماجد إن دلت على شيء فهي تدل على حاجة ماسة إلى تغيير وتعديل وتطويع نظام التعليم في شكل يتناسب ورغبات الدارسين من جهة واحتياجات سوق العمل من جهة أخرى، كما يحتم استبدال مبدأ الاهتمام بالكم على حساب الكيف في كل ما يختص بالتعليم، والأهم من كل ذلك العمل على تغيير القوالب الثابتة التي ما زالت تثقل قلوب وعقول ومستقبل المصريين وتمنعهم من شغل وظائف معينة خوفاً من قيمتها الاجتماعية الخاضعة لمعايير قرن مضى.
(الحياة اللندية)