بعضهم وضع خزانات كبيرة في حفر، وآخرون استبدلوا مضخاتهم القديمة بأخرى أكثر قوة، والبعض الآخر استغل ما في منزله من أوان لتخزين المياه فيها... أساليب اجتهد مواطنو قطاع غزة في ابتكارها، في محاولة للتغلب على مشكلة نقص مياه الشرب "غير المسبوقة"، كما يصفها البعض.
وقد كشفت اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار أن حوالي 70% من العائلات في قطاع غزة لا تصلها المياه سوى مرة واحدة كل خمسة أيام أو أكثر، منهم حوالي 30% تصلهم مرة كل أسبوع، محذرة من مخاطر ملوحة المياه وتلوثها خاصة مع انخفاض كفاءة شبكات المياه بأكثر من 65% في ظل عدم تمكن مصلحة مياه بلديات الساحل من تنفيذ أعمال الصيانة لمرافق المياه والصرف الصحي في قطاع غزة.
المواطن علاء عبد الله، أكد أن مياه الشرب كانت تصلهم قبل ثلاثة أعوام مدة ست ساعات يوميا، ثم تطور الأمر في العام 2006 وأصبحت تصل 6 ساعات كل يومين، ثم ازدادت الأمور سوءا خلال الأشهر الماضية، وبدأت المياه تصلهم عدة ساعات كل ثلاثة أيام.
وأشار عبد الله إلى أن أسرته عانت من مشكلة المياه كثيرا خلال الفترة الماضية، لافتا إلى أن ضعف المياه في بعض الأحيان، وقيام الجيران بتشغيل مضخات ذات قوة كبيرة على الخطوط، يحرمهم من تعبئة خزاناتهم العلوية، ما كان يجبرهم على الانتظار ثلاثة أيام أخرى، لحين وصول المياه مجددا.
ولفت إلى أنه فكر كثيرا في ابتكار أسلوب لمواجهة الأزمة الحالية، فلم يجد وسيلة مناسبة سوى وضع خزان جديد في باطن الأرض، ليمتلأ بالمياه فور وصولها دون التأثر بضعفها، على أن يقوم لاحقا بضخ المياه بواسطة مضخة دافعة إلى الخزانات العلوية.
ورغم تأكيداته بأن طريقته المبتكرة خففت من مشكلة نقص المياه التي يعانونها، إلى أن عبد الله أشار إلى استمرار الأزمة المذكورة، متمنياً حلها في أسرع وقت.
أما المواطن رشاد أحمد فأكد أنه يعتمد على المياه التي تضخها "أونروا" لمخيمات اللاجئين بصورة يومية لمواجهة الأزمة الحالية، على الرغم من الملوحة الزائدة لهذه المياه. وأكد أحمد، أنه قام بشراء خزان إضافي ليقوم بملئه بالمياه المذكورة يومياً لاستخدامه في أغراض التنظيف المنزلي وأغراض أخرى، ما خفف من الأزمة الحالية.
أما المواطن أيمن خليل فأكد أنه لم يجد طريقة سوى استبدال مضخته القديمة بأخرى أكثر قوة، ليستطيع ضخ المياه من الخط الرئيس إلى خزاناته العلوية، مشيراً إلى أنه بالرغم من ذلك لا يستطيع أحيانا ملء الخزانات بسبب ضعف المياه، ومحدودية ساعات وصولها للمواطنين، معللاً ذلك بارتفاع منطقة سكناه عن المناطق المجاورة.
ويقول المواطن محمد عدوان، إنه ورغم وجود عدد من الخزانات فوق سطح منزله إلا أنه يعاني من مشكلة نقص المياه أكثر من غيره، معللا ذلك بعدد أفراد عائلته الكبير نسبياً، لافتاً إلى أنهم يجتهدون للتغلب على الأزمة الحالية. وأوضح عدوان أنهم يحاولون تعبئة كافة الأواني المتواجدة داخل منزله، ويرشدون استهلاك المياه بصورة كبيرة للتغلب على الأزمة، التي أكد أنها باتت ترهقهم إلى حد كبير.
من جانبه توقع المهندس أشرف غنيم مدير في مصلحة مياه الساحل، أن تستمر مشكلة نقص مياه الشرب التي يعاني منها المواطنون طوال الصيف الحالي، داعيا المواطنين إلى ترشيد استهلاك المياه قدر الإمكان.
ولفت غنيم إلى أن نقص المياه المنتجة من الآبار يعود إلى ضعف الجهد الكهربائي، وعدم قدرة بعض المضخات على العمل بكامل طاقتها، وعجز الجهات المعنية عن تشغيل المضخات بواسطة مولدات تعمل على الوقود السائل.
وأشار غنيم إلى أن مصلحة مياه الساحل كانت تأمل بانتهاء أزمة مياه الشرب خلال الصيف الحالي، بعد أن تمكنت من الحصول على تمويل لحفر آبار جديدة، لتعويض النقص الحاصل في مياه الشرب، غير أن نقص المواد، بسبب إغلاق المعابر حال دون تنفيذ المشروعات المذكورة.
ولفت غنيم إلى أن المصلحة بالتعاون مع شرطة الحكومة المقالة بصدد القيام بحملة للحد من العبث في محابس المياه وسرقتها، متمنياً أن يسهم ذلك في تخفيف الأزمة.
بدورها أشارت اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار إلى استمرار الاحتلال في إغلاق المعابر وما نتج عنه من منع لإدخال المواد وقطع الغيار اللازمة لصيانة وتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي، إضافةً إلى عدم توفر مضخات حقن الكلور وقطع غيارها وما يترتب عليه من عدم القدرة على تطهير مياه الشرب مما ينذر بحدوث كارثة صحية ناجمة عن تلوث مياه الشرب وانتشار الأمراض والأوبئة لدى مواطني قطاع غزة خاصةً وأن مصلحة مياه الساحل وبلديات القطاع تواجه صعوبات عدة في جهودها من اجل توفير الخدمات الأساسية للمياه والصرف الصحي وتقديم مياه صالحة للشرب لسكان قطاع غزة وتجميع ومعالجة المياه العادمة في ظل وضع اقتصادي في غاية التعقيد وفي منطقة تعتبر الأكثر كثافة بالعالم في ظل إمكانيات محدودة جداً ومرافق مياه وصرف صحي في وضع فني سيئ بسبب قدمها وحاجتها المستمرة للصيانة وإعادة التأهيل.
وأكد الناطق باسم اللجنة رامي عبده أن البيانات الصادرة من مصلحة مياه بلديات الساحل مخيفة وتشير إلى استهداف الاحتلال لآدمية البشر وتعريضهم لشكل من أشكال الإبادة، حيث إن آبار المياه البالغ عددها 140 بئرا ومحطات معالجة وضخ المياه العادمة وكنتيجة لخفض إمدادات الوقود لمحطة الكهرباء أدى إلى الاعتماد الكلي على المولدات الكهربائية ولفترات طويلة، وفي ضوء وقف الاحتلال لإمدادات الوقود اللازم لتشغيل المولدات وعدم وجود قطع غيار لصيانتها فان تدهورا خطيرا حدث في وضع قطاع المياه يضاف إلى ذلك زيادة تلوث الخزان الجوفي المصدر الوحيد للمياه في قطاع غزة.
وكشف عبده أن آبار المياه والصرف الصحي كانت في الأوضاع العادية تحتاج حوالي 150 ألف لتر من السولار شهريا، وانه منذ عدة أشهر لم تستلم البلديات سوى كميات ضئيلة فيما لم تستلم أي لتر من الوقود في شهر نيسان.
وأضاف عبده أن عدم السماح بإدخال المواد وقطع الغيار اللازمة لعملية الكلورة أدى إلى تدني النسبة من 99% إلى 95% هذا بالإضافة إلى خلو بعض الآبار الجديدة من نظام الكلورة، الأمر الذي يؤدي الى تهديد حقيقي ومباشر على الصحة العامة.
وقال عبده إنه وحسب المادة السادسة من الميثاق الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فإن الإبادة عرفت بأنها كل تصرف من شأنه فرض أوضاع معيشية علي جماعة من الناس تؤدي إلى تدمير حياتهم كليا أو جزئياً، وفي المادة الثامنة من الميثاق الأساسي نفسه تعرف جرائم الحرب بأنها تشمل تجويع البشر، أو تعمد منع إيصال المواد الإغاثية إليهم.
واكد أن ما يمارس اليوم بحق المواطنين في القطاع من تدمير لآمال الأسر الفلسطينية وقتل ممنهج لأحلام الأطفال والشباب والنساء هو أبشع إشكال الإبادة الكلية وليست الجزئية، وأن الاحتلال تغول إلى أبعد مما يتخيله العقل خلال الأشهر القليلة الماضية في استهدافه للاحتياجات الإنسانية لمواطني القطاع من منع لإمدادات الغذاء وإمدادات الطاقة ومياه الشرب.