يعيد المرء قراءة أوراق مصرية في مرحلة ما قبل ثورة 1952 , ويقف عند طموح جارف لإتقاذ الوطن من أزماته الإقتصادية والإجتماعية , عبر التركيز على التعليم والثقافة والكفاح ضد الظروف الصعبة الخانقة . وعندما تقرأ < الأيام > لطه حسين , تتعجب من إصرار بليغ لتجاوز محنة العمى والفقر والقلق , بأحبال العلم للخلاص والتفوق . وقد إستطاع عميد الأدب العربي أن يصل إلى < السوربون > أعلى معاهد العلم الفرنسية , ويحصل من هناك على أرقى الشهادات الأكاديمية ليعود بالنور العلمي , وليحاول نشره في القرى والنجوع وتحقيق الخلاص للآخرين .
ولم يهتم طه حسين بإحتكار العلم لنفسه , وإنما أراد تعميمه وتوزيعه , لأنه مثل الماء والهواء ضرورة لكل إنسان يريد العيش بكرامة ويحقق قيمة في نهر الحياة الصاخب .
إن إبن الفقراء المعدمين والمصاب بداء العمى , إستطاع أن يرى حقائق ساطعة في عقله , بأن التعليم طريق للحرية الذاتية من الجهل والقيود والخرافات , كما أنه أيضاً يحرر الأمم ويدفعها للوقوف على ملامح حلم النهضة ودفعها إلى الأمام عشرات الخطوات .
وكلما تسلل اليأس إلى النفس , أعود إلى سيرة طه حسين , لأنه يختلف عن عملاق آخر أحبه , هو عباس محمود العقاد , لأن عميد الأدب العربي وصل إلى عمادة كلية الآداب , وإستطاع تطبيق لمناهج وإدخال مواد تفتح أبواب التفكير العلمي وتشجع على البحث والإجتهاد دون خوف , لأن من يملك عقله يسيطر على زمام الرؤية لتصبح أمامه مساحة مفتوحة يجول فيها لتحقيق الآمال .
طه حسين تولى أيضاً وزارة المعارف < التعليم > ومن هذا الموقع إستطاع تطبيق مجانية على جميع مراحل الدراسة في مصر حتى < الثانوية > العامة . وكانت طفرة جبارة , لا يماثلها سوى قرار حكومة الثورة جعل التعليم الجامعي مجاناً أيضاً . وهذه الخطوات كلها هي نتيجة لنضال طويل للشعب المصري لجعل العلم أداة للحرية والتقدم والإزدهار .
وقد إستطاع < العقاد > تثقيف نفسه , وأصبح الكاتب الجبار , لكن محيط تأثيره إشتمل على مساحة الكتابة والمواقف السياسية والفكرية الجامحة . وظلت مشكلته تدور داخل فكرة عبقرية الفرد فقط , حيث غاب مشروعه تجاه الآخرين للدعوة لتعليمهم ودفعهم درجات في سلم الحياة عبر تأشيرة العلم .
وعندما تنظر لسيرة المطربة < أم كلثوم > ترى أيضاً إنتقالها من الفقر إلى النجاح والشهرة , إعتماداً على قدراتها وذكائها وموهبتها . ومحمد عبد الوهاب الموسيقار الخالد يندرج في نطاق العصاميين الذين صنعوا انفسهم على الرغم من التنشئة الفقيرة .
لكن مشروع طه حسين يختلف , لأنه خرج من نطاق الذات إلى الموضوع الوطني وأحلام تنمية على مستوى الأمة كلها . والغريب أن هذا الرجل لم يدعو إلى بناء جامعات خاصة أو أجنبية , وإنما ركز على الجامعة المصرية التي تنمو في حضن الدولة والتي يُنفق عليها من دافع الضرائب المصري حتى ترتبط هذه المؤسسات بالوعي العام والتحديات والآمال المعلقة على مشروع التنمية . وكان صحاب < الأيام > حريصاً على تعليم في جميع مراحله يرتبط بتنمية قدرات العقل وحث الشباب على البحث والتثقيف .
ويذكر د . محمد مندور الناقد والمثقف الراحل , دور طه حسين الذي شجعه للذهاب إلى باريس لنيل درجة الدكتوراه , وعندما عاد بدونها غضب عليه وقاطعه , حتى إجتهد وحصل عليها من جامعة القاهرة بزاده التعليمي والأكاديمي الذي إطلع عليه في رحلة مجنونة بالثقافة خلال إقامته في باريس , حيث كان متعطشاً للغرف من نهر الفنون والآداب .
ويذكر د . لويس عوض في كتابه < أوراق العمر > دور طه حسين , الذي شجعه للدراسة في إنكلترا للحصول على درجة الدكتوراه في علوم النقد الشعري والأدب المقارن . كان في ذهن الرجل خطة كاملة لتعليم المصريين ودفعهم نحو قيادة بلدهم بهذا العلم المنير الذي يقفز على حدود العمى والفقر والجهل .
تأثير طه حسين , كفيف البصر , المنير بالمعرفة والإنسانية ومحبة الوطن , نلحظه في الحياة المصرية التي تألقت في العصر الليبرالي الذي كان يحث الأفراد على العلم والإستنارة والثقافة والخروج من الكهف والتحرر من الإستعمار وبناء مصر حرة مستقلة .
وعندما تتأمل فصول الحياة الراهنة , لا ترى طه حسين , وإنما بضاعة فاسدة تنشر أوبئة الجهل والتخلف والخرافات . وهؤلاء الذين يتولون دولاب تصريف الأمور , أثرياء من المال الذي لديهم , لكنهم فقراء بمقياس التحضر , إذ ينشرون التخلف وقيم الطمع والفساد والإنهيار الداخلي , لذلك تسود حالة من الكآبة على الرغم من عدم وجود مستعمر ولا قوات إحتلال أجنبي جاثمة على أرض الوطن .
وعندما أقرأ كتب طه حسين , أتعجب من حجم الإصرار على كسر حاجز الظلام بالعلم والحرة والتعاطف مع الآخرين .
وكان خلال مسيرته الطويلة يكره الظلم ولا يطيق الجهل ويحارب بكل الطرق عبر إصراره لتعليم أولاد الفقراء والفلاحين والمعدمين , وفتح طاقة أمل أمامهم تمتص طاقتهم وتوجهها نحو الصالح لهم ولأوطانهم .
أما الآن فإنه يجري ترك هؤلاء في مناخ تضيع فيه < البوصلة > وتتراكم الصعوبات وتتدنى مظاهر الحياة , في وقت تعيش فيه فئة مترفة في النعيم الناجم عن تعاسة الآخرين .
وخلال مرحلة ما قبل الثورة , كانت هناك حياة فكرية صاخبة وأخرى سياسية متمردة تنسج ملامح الشكل الآخر من عدالة ونهضة وتعليم . وكان طه حسين مع تياره المستنير من الساعين لإحلال الأمل بدلاً من اليأس عبر الكفاح الذاتي , للوصول إلى أعلى درجات العلم والنبوغ فيه , لتحرير الفرد أولاً , حتى يكون قادراً بعد ذلك على تحرير أمته من قيود التخلف والتزمت والجهل , الذي يدفع الشعوب إلى الإنتحار , لأنه يغرقها في دوامة الخرافات وعدم رؤية الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى الخلاص .
وعندما تفتح ملف مصر قبل الثورة , ترى هذا الثراء والتنوع والتعلق بالأمل , على الرغم من قيود الإستعمار وفساد القصر . وكان الأمل في مشروعات الإصلاح التي طرحتها حركات ليبرالية وأخرى يسارية وثالثة مستنيرة يمثلها تيار المثقفين , لكن كل ذلك إنجرف في طريق مضطرب أدى إلى تسليم السلطات لمن يبيعون الأرض للأجانب , والذين يتخلون عن الجامعات الوطنية لصالح الأخرى الأجنبية ومراعاة أحوال الأثرياء على حساب الفقراء , مما يؤدي إلى خنق المجتمع ودفعه إلى حالة اليأس , التي لم تكن موجودة قبل نصف قرن , وأنتعشت الآمال في ظل الطموح الوطني الذي أنهى سلطة الملك فاروق , لكن كل ذلك إنتكس بضراوة مع مشروع < السادات > وإستمراره بهذا القبح والتردي , الذي لا يراعي حق أمة كاملة في معانقة مشروع تنموي على غرار ما كان يطرحه د . طه حسين .