لم أكن أتصور - وأنا كنت لا أزال فى مقتبل العمر - أن استقبل حياتي العملية بعد تخرجي فى جامعة القاهرة والتحاقي للعمل فى احد الأجهزة الاعلامية أن أفاجأ بقوة مسلحة من رجال الأمن، يقومون بالقبض على، دون سبب والزج بى فى واحد من اسوأ السجون فى التاريخ الانساني، ثم يتركونى حبيسا فى الزنزانه رقم 39 فى هذا السجن الرهيب لمدة اثنى عشر يوما بالتمام والكمال، ثم يطلقون سراحى، ويخرجونني من هذه الزنزانة المظلمة، ويوجهون لى عبارات التهديد والوعيد، منذرين إياى اذا نطقت بشىء مما رأيت او سمعت فسوف يعيدوننى الى هذا المكان مرة اخرى لألقى نفس المصير واسوأ منه ثم يطلقون سراحي لأعيش بعد ذلك خائفا مذعورا.
كان ذلك فى مثل هذه الايام فى الثانى عشر من مايو 1966 حين داهم رجال اشداء تعلو وجوههم القسوه والعنف يقتحمون عليّ منزلى ويقومون بانتزاعى من هذا المنزل دون ان افهم منهم سببا واحدا لهذا التصرف الغريب الا اننى كنت ارتبط بعلاقة قرابة ومصاهرة مع احدى العائلات التى كانت تمتلك مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية التى يعمل فيها اغلب ابناء القرية بأجور متدنية وفى ظروف صعبة لدى هذه الاسرة كما كانت تملك المال والنفوذ، وكانت لها علاقات وثيقة مع الحكام قبل قيام الضباط بقلب النظام الملكي عام 1952، حيث أخذت القيادات الجديدة على عواتقها القضاء على هؤلاء الاثرياء والسيطرة على ممتلكاتهم وطردهم من هذه القرية تطبيقا للمنهج الذى أعلنه قادة ثورة يوليو فى مصر أن ذاك وهو تصفية الاقطاع واعادة توزيع الملكية بين الفقراء والاغنياء تحقيقا لمبدأ المساواة بين جميع فئات الشعب.
وفى سبيل تحقيق هذا المبدأ استخدم كثير من القيادات الجديدة كل اساليب العنف والقهر والقسوة لكل من كان يعترض على سياساتهم او يبدى رأيا مخالفا لآرائهم او يعلن آليه اخرى لتحقيق المبدأ الذى اعلنوه، ثم ظهر من بين ابناء هذه القرية فريق من المتطرفين الذين يستهدفون تصفية الحسابات مع هؤلاء المالكين الذين كانوا يتمتعون بثروات البلاد وحدهم دون غيرهم واعتنق الكثير من ابناء قرية كمشيش المذهب الاشتراكى او الشيوعى، ودخلوا فى صدامات مسلحة مع هؤلاء الاثرياء حيث كان يسقط على اثرها عدد من القتلى بين الحين والاخر، وكانت المعارك شبه يومية تم خلالها حرق المنازل وسفك الدماء وتدمير المزروعات، وتحولت هذه القرية الآمنة التى رضخت عقودا طويلة فى الزمان لحكم هؤلاء الاثرياء الى حلبة للنزاع المسلح والصراع الدامى بين من كانوا يملكون ومن كانوا لا يملكون.
وفى هذا السجن الرهيب كان يتم إطلاق الكلاب على هؤلاء الفلاحين البسطاء لتنهش أجسادهم وتستبيح أعراضهم وتقضى على رجولتهم، كما كان يتم التعذيب بالأجهزة الكهربائية تارة وادوات النفخ وخلع الأظافر والضرب بالسياط تارة أخرى، كما كان يتم تعليق الرجال من ارجلهم فى آلات ثم يطلقون الجنود لتلهب ظهورهم وكان الجندى لا يترك فريسته حتى تسيل دماؤها وتفقد وعيها دون ادنى اعتبار لما تحدثه هذه الممارسات من آلام مبرحة وعاهات مستديمة.
لقد اعتقلتنى هذه الطغمة الباغية وزجت بى فى هذا السجن الرهيب الفظيع على الرغم من اننى لم أكن انتمى الى احزاب معارضة او جماعات متطرفة او اتحادات دينية، ولم انطق يوما بكلمة او فعل أعترض فيه على ما كان يقوله الزعيم او يفعله لأن قنوات الفكر ووسائل الاعلام ومنابر الرأي كانت كلها مملوكة له، فلا يستطيع احد ان يعترض على ما يقوله او يهمس برأى يخالف رأيه، ولقد كتب استاذنا مصطفى أمين ما تعرض له فى السجن الحربي الذى قضى فيه تسع سنوات فى الكتاب الذي أصدره تحت اسم "سنة اولى سجن" كتب كلمات تنخلع لها القلوب وتفزع من يقرأها وتصيبه بالاحباط واليأس، كلمات تقشعر لها الأبدان وتذهل لها العقول.
وامعانا فى اذلال ابناء القرية اطلقوا على الرجال اسماء نسائية ووضعوا أربطة الحيوانات فى أفواههم واذانهم وكانوا يقتادونهم كالبهائم فى شوارع وحوارى القرية، وكان الجنود يركلونهم بأرجلهم، ويقدمون لهم طعام الحيوانات، ويمنعون عنهم الماء ويبطشون برجال الدين وينكلون بالمشايخ، ويتبولون فى عمائمهم، ويسخرون منهم وكان الاتهام الموجه اليهم انهم اقطاعيون او عملاء للاقطاع، وفقد اهالي القرية علاقات المحبة والألفة بينهم، وتقطعت الارحام، وتوجس الناس من بعضهم، الكل خائف ويرتجف، سواءً الذين تم اعتقالهم أو الذين لم يتم اعتقالهم تحسبا لما سوف يقع عليهم بعد ذلك فالدائرة سوف تدور عليهم.
لقد طغى رجال المشير والقائد وتخبروا وسمحوا لأنفسهم بما لم يسمح به فرعون فكانت النهاية على يد اسرائيل حيث الهزيمة المنكرة التى دفعت الشعوب العربيه كلها ثمنها وهى هزيمة لم يشهد التاريخ العربى مثيلا لها وظلت اثاراها باقية حتى الآن فالجولان محتلة والقدس محاصرة وجنود العدو ينكلون بالفلسطينيين كل يوم واذا كان عبد الناصر هو الذى جلس آنذاك على قمة النظام فإننا لا نود ان نطلق احكاما ضده قبل اجراء دراسة علمية متأنية لمعرفة أبعادها ونتائجها.
وقد شهدت فى هذا السجن كل ألوان الطيف من اهل اليمين وأهل اليسار وحمله الاقلام، سواء الشيوعيون أو الاخوان المسلمون أو الدهريون، وكل من كان يعارض النظام ليلقى جزاء ما قال او كتب دون محاكمه او حتى اتهام يوجه اليه، هذا فى الوقت الذى خرج فيه المنافقون والانتهازيون وسدنة النظام الذين تم تنصيبهم فى مراكز صنع القرار وقد تحولوا الى أبواق للدعاية، يهتفون للزعيم الملهم الذى لم يجود الزمان بمثله، ويرفعون له الشعارات الكاذبة ويزرعون الوهم والخديعة فى نفوس الجماهير التى انساقت وراءهم تهلل وتصفق وتطول وتزمر بعد أن أوهموها انهم حرروا البلاد من هؤلاء الإقطاعيين ليتم بعد ذلك تحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي.
إلا أن انجازات الزعيم ذهبت وتحولت كل الشعارات الى أوهام وتم الكشف عن الاقنعة المزيفة بعد الهزيمة المنكرة التى لحقت بالبلاد والعباد على يد العدو الاسرائيلي في الخامس من يونيو عام 1967، وتحول هذا الزعيم الاسطوري الى شبح كسير بعد ان دكت مدافع الغزاة القلاع التى أقامها، وكشفت عن الأهازيج التى كان يردوها وتحول هذا الرجل الذي هتفنا له كثيرا الى نمر من ورق، ولم يشفع له انه قاد الانقلاب ضد النظام السابق، وطرد ملك البلاد ووقع اتفاقية الجلاء مع المحتل الانجليزي التى ظل جاثما على أنفاسها اثنتي وثمانين عاما وأمم قناة السويس وبنى السد العالي لأن الانجازات المادية التى حققها لا تساوي يوما واحد من الأيام التى عذب فيها شعبه، وأذل رجاله، وكمم أفواه الناس وانفرد وحده بالقرار وأصبح صاحب الكلمة الفصل فى كل ما يخص حاضر الأمة ومستقبلها، كان هو القاضي والمعلم والواعظ ليس من حق احد ان يعترض على ما يقول او يخالف ما ينطق به وكأنه لا ينطق عن الهوى، فهو الفيلسوف الذى يصوغ فكر الجماهير متناسيا ان رئاسة الدولة ما هى إلا عقد يتم عن قبول واختيار بين الأمة وقائدها، ويرتب لكل طرف حقوقا والتزامات، ويرسخ قيم العدل والإنصاف مصداقا لقوله تعالى «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن النكر ولله عاقبة الأمور».
في هذا السجن الرهيب عشت أسود أيام حياتي حيث رأيت أهوالاً كأهوال يوم القيامة وكأنني دخلت جهنم قبل أن أموت أو أحاسب، كلاب بوليسية تنقض على فريستها من المقبوض عليهم لتنهش لحومهم وتسفك دماءهم وتستبيح أعراضهم، كانوا ينزعون شوارب الرجال ورموش أعينهم وأظافر أصابعهم بأجهزه وآلات مخصصة لهذا الغرض، ويصفعون على وجوههم ويربطونهم من الأجهزة التناسلية، ويجرونهم، ويطلقون عليهم الكلاب البوليسة لممارسة الاعتداءات الجنسية عليهم، ويمتطون ظهورهم كالدواب، ويقومون بإغراقهم فى بئر سحيقة ثم يعيدونهم الى البئر مرات ومرات، واذا مات أحدهم فلا بأس ان يحفروا له حفرة فى الصحراء ويواروا جثمانه التراب.
كان لايمكن ان تنتصر الجيوش العربية في المواجهة العسكرية مع اسرائيل عام 1967، اذ كيف ينتصر حكام أذلوا شعوبهم وملأوا السجون برعاياهم، وقهروا رجالهم، كيف تنتصر شعوب نكبت بأنظمة شمولية وقيادات دكتاتورية جاؤوا إلى السلطة عن طريق انقلابات فوقية وطموحات شخصية، جلبوا لشعوبهم العار والدمار والانهيار والقهر النفسي والإذلال البدني وأحاطوا أنفسهم بالمنتفعين الذين كانوا يصورون الهزيمة نصرا والجهل علما والقهر حزما يتحدثون عن الحرية ويمارسون اسوأ انواع الدكتاتورية يعلنون حرية الرأي وحقوق الإنسان وهم يكممون الأفواه ويقهرون الإنسان ويمزقون الشعوب، ويحولونها الى كيانات هشة لا يربطها ببعض الا المشاركة في المعاناة، والحياة في ظل الكبت والحرمان والذل والانتشار.
لقد ضل الناس الطريق وفقدوا الرؤية والقدرة على التمييز بين الهدى والضلال والخطأ والصواب، خدعوها بشعارات زائفة وعبارات جوفاء، هدموا مؤسسات الفكر وحبسوا قيادات الرأي كما فعل هتلر وموسوليني وستالين وشاه ايران ومزقوا وحدة الأمة فكان الأخ يخاف أخاه، وتخلى الابناء عن الآباء، وأضاعوا الحقوق، وأفقروا الشعوب، وحولوا خير أمة أخرجت للناس الى اكثر الأمم تخلفا وجهلا وضياعا.
وتؤكد حقائق التاريخ ان العدو لم ينل منا ما ناله إلا بفضل هذه القيادات التى هيمنت على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأفقدوا الناس الأمن والأمان والانتماء لتراب الوطن، فهم وحدهم وليس الشعوب الذين يتحملون مسؤولية ما حاق بالأمة من هزائم وانتكاسات بعد ان قضوا على كل أسباب القوه، فها هو صدام حسين الذى استطاع بحماقته ورعونته ان يدمر مستقبل العراق ويفتت وحدته ويدفعه الى السقوط فى مستنقع الهزيمة والعار، وهو الشعب الذى كانت له اليد الطولى فى اثراء الحضارة الانسانية وها هو حاكم اليمن السابق الذى حول الشعب الى قطعان من البشر وضللهم وهمشهم، وبث الخرافات والأهازيج بينهم فكان ينام على طبول المنافقين ويسيتقظ على أصوات هتافاتهم ويتعالى عليهم وينشر السحر والشعوذة فى صفوفهم.
هذا فى الوقت الذى كانت هذه الأنظمة تعلن شعارات ومبادئ تؤكد فيها حرصها على رفع الظلم عن المظلومين، واطلاق الحريات للمقهورين، وتحرير الإنسان من الجلادين والإقطاعيين والمستعمرين، وهى كلمات تخالف الواقع الذى كان يدور على الساحة المحلية حتى أفقدوا الشعوب الامل والرجاء والحب والانتماء، ولقد رأيت من الناس من كان يعلن الكفر، ويشكك فى وجود إله عادل وخالق لهذا الكون من فرط ما شاهد وعايش وعانى من الذل والمهانه، ومن الجوع والألم ومن القهر والاستبداد.