إذا صدقت الانباء عن إحراز تقدم مهم حول ترسيم حدود الدولة الفلسطينية المنتظرة والترتيبات الأمنية بين إسرائيل وهذه الدولة، بعد المحادثات التي وصفت بأنها جدية ومعمقة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت، فان المؤكد أنه من السابق لأوانه التحدث عن نتائج تقربنا من التوصل إلى الحل السلمي المنشود والبدء بالحديث عن احراز تقدم او عدمه، طالما لم يكن هناك تقدم حقيقي بخصوص العديد من القضايا مثل القدس والأسرى وحق العودة أو التعويض للاجئين الذين أجبروا على ترك وطنهم قبل ستين عاما بعد المجازر الوحشية التي ارتكبتها العصابات اليهودية التي كانت ( تناضل ) لاقامة الدولة العبرية تحقيقا لمقولات غيبية لايؤمن بها غير بعض أتباع الديانة اليهودية.
ووصف المحادثات الاخيرة بأنها الاكثر جدية بين الرجلين منذ انعقاد مؤتمر انابوليس في تشرين ثاني الماضي يعطي الحق للبعض بأن يعتبروا أن الموقف الإسرائيلي من عملية السلام، هو في جوهره موقف يدفع الأوضاع إلى مزيد من التوتر، وأن جهود الإدارة الأميركية لتحقيق السلام محكومة بالفشل لانحيازها لصالح إسرائيل، وأن لقاءات أولمرت عباس ملهاة ومضيعة للوقت، تستهدف فعلا إلهاء الرأي العام الفلسطيني والعالمي وإشغاله بمثل هذه اللقاءات والمباحثات، التي لم تكن مكرسة للبحث عن حلول جذرية للمشاكل التي تحتاج فعلا إلى جهود استثنائية.
وإذا كانت جهود واشنطن التي توجت بزيارة وزيرة الخارجية كونداليزا رايس قد أثمرت فقط عن الاعلان أن مراقبين اميركيين سيشرفون على إزالة الحواجز العسكرية الاسرائيلية التي تشل الحركة في الضفة الغربية، فان على إدارة الرئيس بوش أن تلاحظ أن استمرار فرض الحصار على قطاع غزة وإغلاق المعابر المؤدية إليه يشكل بالفعل أزمة مرشحة للانفجار الشعبي بغض النظر عن كون القطاع محكوما من قبل انقلابيي حماس، فالمواطن الغزي يحتاج للوقود والخبز والدواء، وهو مستعد لبذل كل ما هو متاح وممكن لمنع الآخرين من حرمانه أبسط متطلبات الحياة .
لا يعني ذلك أن علينا التشاؤم ما دمنا نؤمن أن حل القضايا العالقة بين الجانبين يجب أن يمر عبر المفاوضات المباشرة، وأن المنتظر من لقاءات عباس وأولمرت يظل في حدود رسم الخطوط الرئيسية لأية اتفاقات، على أن نعرف أن المستويات الادنى من المتفاوضين تواصل بذل جهودها للتقدم في حل القضايا العالقة لأن المؤكد أنه لا اتفاق ما لم يشمل كل شيء.
ولا يكفي هنا الاعلان اللفظي عن استمرار التمسك بأهداف انابوليس لجهة التوصل الى اتفاق قبل انقضاء ما تبقى من ولاية الرئيس بوش الذي دعا إلى اتفاق نهائي قبل مغادرته البيت الابيض، ذلك أن المسائل الامنية التي توليها اسرائيل الاهمية الاولى لا تزال تمثل احدى العقبات الرئيسة في عملية السلام، وهي يمكن أن تكون صاعق التفجير المانع من الالتزام بالجدول الزمني الذي تم تحديده في انابوليس.
يعرف الجميع أن عقودا من الصراع المستمر بين الفلسطينيين والاسرائيليين لن تنتهي بجلسة بين اولمرت وعباس، ولا بتدخل أميركي، وإن كان فاعلا، لأن المسافة في المواقف بين الطرفين ما زالت متباعدة، لكن المطلوب من الجانب الاسرائيلي التخلي عن التعنت في المواقف استنادا إلى نتائج اتفاقاته السابقة مع مصر والاردن، صحيح أن مطالب هؤلاء تختلف عن ما يطلبه الفلسطينيون ، لكن المؤكد أن الاستعداد العربي والفلسطيني لابرام اتفاقات سلام حقيقي متوفر بجدية ليس عند السلطة الفلسطينية فقط وإنما أيضا عند حماس وغيرها من الجماعات التي بنت أمجادها على أساس إعلانها أنها تعمل على محو اسرائيل من الخارطة .