قليلون في الحكومات الأمريكية, ممن اكتملت لديهم المعرفة بخفايا سياسات حكوماتهم في التعامل مع العرب وإسرائيل, هم الذين يكونون بهذه الصراحة التي تحدث بها مسئول مثل أرون ديفيد ميللر, خاصة إذا كان قد أمضي عشرين عاما متواصلة كواحد من كبار المختصين بهذه السياسة, مشاركا في تمثيل أمريكا في مفاوضات عملية السلام, وطرفا في مناقشات ومداولات دارت وراء الكواليس في واشنطن, وبما أتاحه له كونه يهوديا أمريكيا من الاقتراب من الإسرائيليين, ورؤية ما يدور في عقلهم عن قرب.
ميللر سجل خلاصة خبرته ومعلوماته في أوراقه التي حاول أن يجيب فيها عن أسئلة طرحها هو علي نفسه ـ مثل: لماذا فشلت قوة عظمي كالولايات المتحدة في أن تكون وسيطا, ولماذا يظل رؤساء أمريكا في صراع مستمر مع مشكلة كهذه لأكثر من نصف قرن؟.. ولماذا بعد كل هذه السنين من الفشل والصراع, صارت المنطقة بكاملها أقل استقرارا عن ذي قبل؟
أرون ميللر جمع في أوراقه تاريخ مواقف أمريكا من المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية, من خلال عمله في وزارة الخارجية الأمريكية مستشارا لستة وزراء في عهود ثلاثة رؤساء, وشغله منصب نائب منسق ومبعوث الرئيس للمفاوضات العربية ـ الإسرائيلية, وكان عضوا بارزا في فريق التخطيط السياسي بوزارة الخارجية, وفي مكتب المخابرات والبحوث, إلي أن استقال عام2003. وفوق حصيلة معلوماته المباشرة, فقد أضاف إليها عشرات اللقاءات التي أجراها مع الرؤساء جيرالد فورد, وجيمي كارتر, وجورج بوش( الأب), ومع قادة عرب وإسرائيليين, كشفوا له عن الأفكار غير المعلنة, والاستراتيجيات التي كانت تحرك حكوماتهم, وجمع كل ذلك في كتاب أصدره حديثا عنوانه الأرض الموعودة جدا: البحث المراوغ عن السلام العربي الإسرائيلي.
ويقدم ميللر للرئيس القادم نصيحة بشأن السياسة التي ينبغي اتباعها لحل النزاع.
يقول ميللر في كتابه: إن الولايات المتحدة أعطت إسرائيل مساحة كبيرة جدا من التصرف, وأخفقت في دفعها للوفاء بالتزاماتها, وأن تقدم علي خيارات صعبة, وقال إننا لم نجر أبدا مناقشات حازمة ومخلصة مع الإسرائيليين حول نشاطهم الاستيطاني, ويقدم ميللر صورة لنفسه, كشخص تعلم بمشقة أن نزاع الشرق الأوسط أشد تعقيدا من التصور الرائج بأنه نزال بين أخيار وأشرار, فهو نزاع له أبعاد متعددة.
وعن انطباعه حول الفلسطينيين يقول: حين تتعرف إلي أناس, وتجلس معهم, وتستمع إليهم, فإن وجهات نظرك تبدأ في التغير, وهنا ينقل عن حنان عشراوي عضو فريق المفاوضات الفلسطيني ـ في تعليقها علي سياسة الجزرة والعصا التي عرفت بها أمريكا ـ قولها: لقد أعطيتم كل الجزر للإسرائيليين, ونال الفلسطينيون كل العصي, ثم يضيف ميللر أنها علي حق تماما فيما قالت.
ويقدم ميللر نصيحة إلي الرئيس الأمريكي القادم ـ بعد بوش ـ فيقول: إن ما نحتاجه من إسرائيل, هو جرعة قوية من الحب, وذلك بأن يقاوم المسئولون الأمريكيون, ضغوط اليهود الأمريكيين, من أجل أن تستسلم أمريكا دائما لمطالب إسرائيل.
إن ميللر في كتابه لم يقدم وصفة حاسمة لإعادة صياغة عملية السلام, بعدما جري لها في السنوات الماضية, من ضربات انقلابية إسرائيلية عليها, ومن مساندة أمريكية لمحاولة طمس مرجعياتها, واستبدالها بمفاهيم أخري لا تقيم سلاما, لكن هدفها هو تصفية القضية الفلسطينية. لكن ميللر يرسم صورة تسعي لتبديد الأوهام التي تنثر مثل سحابات الزينة الملونة من حول كل مبادرة أمريكية, لتوحي وكأن هناك أملا في أن هذه المبادرة ستقود إلي سلام حقيقي.
وهو قد استشهد بواقعة تدل علي إحساس بأن الأمل بعيد, وهي واقعة حوار كان قد جري مع وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر, يومها قال له بيكر: لو بدأت حياتي من جديد, لاخترت أن أكون متخصصا في الشرق الأوسط, لأن ذلك سيضمن لي وظيفة دائمة!.
هذه هي خلاصة رؤية من يري الأمور من وراء الكواليس, وليس من صفوف الجالسين أمام خشبة المسرح, كما تظهر لنا من حين لآخر.
وإذا كانت الآمال في التزام إسرائيل بالسلام الذي تعاقدت عليه, بعيدة المنال, اتصالا بما سبقها من فشل القوة العظمي الوحيدة في أن تكون وسيطا نزيها ـ وهو ما أشار إليه ميللر ـ فليس معني ذلك أنه كله خطأ إسرائيل, لكنه خطأ العرب الذين مازالوا يتركون أنفسهم, يدورون في دائرة مغلقة من المبادرات التي تأخذهم لتعود بهم إلي حيث بدأوا, وأنهم أصبحوا, مثل راكب عربة, وهو قانع بلافتة علقت علي العربة باسم المكان الذي ستصل به إليه, حتي لو كان الطريق الذي تسير فيه, لا يوصله أبدا إلي مبتغاه.
هذه هي صورة ارتباط العرب حتي الآن بمشروع حمل في عام1991 اسم عملية السلام, ثم لم تبق إسرائيل لهذه العملية سوي اسمها, ومع ذلك فهم شديدو الحرص علي التمسك بها, وفاء بما التزموا به, حتي ولو كانت إسرائيل لم تعد ملتزمة بشيء منها, ودون أن يصنعوا لأنفسهم سياسة بديلة تتعامل مع الواقع وليس مع الوهم.. سياسة بديلة صالحة للتعامل مع وضع مختلف, لا علاقة له بما كان خيارا لهم في عام91, حين قبلوا أن يكونوا شركاء في عملية سلام.