هل طرأ تقدم جدي على المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية ، أم أن أولمرت اتخذ من لقائه مع عباس ، مناسبة لتفجير بعض القنابل الدخانيّة التي يمكن أن تطغى وتغطي على التحقيقات الجارية معه بتهم الفساد وتلقي الرشا ؟، سؤال مشروع ، قفز بلا شك إلى ذهن كل مراقب حصيف لما يجري على مسار المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية ، فهذه هي المرة الأولى التي "يتطوع" فيها رئيس الوزراء للإدلاء بمعلومات من هذا النوع في أعقاب لقاءاته مع عباس ، وهو أمر "جيد إلى الحد الذي يتعذر أن يكون حقيقيا" ، خصوصا حين يتعلق الأمر بحدود الدولة الفلسطينية المنتظرة ، والتي تصر إسرائيل على اقتطاع أوسع مساحة من أراضيها والتخلص من أكبر عدد من سكانها في الوقت ذاته.
الفلسطينيون كعادتهم ، لاذوا بالصمت المتحفظ ، واكتفى كبير مفاوضيهم بإطلاق الأوصاف التي لا قيمة لها لطبيعة الاجتماع ومناخاته ، محيطا المحادثات التي جرت فيه ، بقالب من الجدية الصارمة والمفرطة ، بخلاف أولمرت الذي حرص على إظهار الطابع الشخصي الحميم على علاقاته بمحادثيه من الفلسطينيين ، من خلال الإفراط في المصافحة و"التعبيط والضم والاحتضان".
لسنا في الحقيقة من المصدقين للرواية الإسرائيلية ، ونميل إلى ما ذهب كثير من المحللين الإسرائيليين ، الذين اعتبروا تصريحات مكتب أولمرت أو بالأحرى تسريباته ، ضربا من "الخداع السياسي" ، ولا نستبعد أن تحين قريبا لحظة الحقيقة بالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية ، فيجد نفسه مكبلا بأغلال "مراقب الدولة" ، منهيا حياته السياسية ، شأن كثير من الساسة الإسرائيليين ، بفضيحة مالية أو جنسية.
ولسنا مهتمين بالمصائر الشخصية أو السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلا بالقدر الذي يمكن أن تؤثر فيه على مجريات الوضع الفلسطيني ميدانيا وسياسيا ، فخروج أولمرت من حلبة السياسة والحكومة ، هل سيجعل من تسيبي ليفني ثاني امرأة في إسرائيل تتقلد منصب رئيس الوزراء ، وغن حصل ذلك ما الذي سيحدث أو يتغير ، أم نهاية أولمرت السياسية ستأخذ الجميع ، حكومة ومعارضة إلى انتخابات مبكرة ، ترحّل بعدها ملفات السلام والتهدئة إلى العام المقبل؟.
هل ستفضي الفضائح والتحقيقات التي تأخذ وقتا رئيس الحكومة الإسرائيلية الثمين ، إلى إضعاف اهتمامه بالمفاوضات والسلام والتهدئة ، وانصرافه كليا للبحث عمّا يمكن ، أو عمّن يساعد في حفظ رأسه بين كتفيه ، أم أن وضعا كهذا يمكن أن يدفع بالرجل للهروب إلى الأمام ، ومحاولة القفز من مستنقع الفساد والفضائح الذي يكاد يبتلعه إلى فضاءات "القيادة التاريخية" وسجل "الزعماء الكبار" الذين تركوا بصمات واضحة في تاريخ الدولة التي تحتفل بعيدها الستين ، لتذكرنا بأن ستة عقود قد مضت على نكبتنا وتشردنا وضياع حقوقنا.
أسئلة يصعب الجزم بشأنها ، أو المجازفة بتقديم إجابات دقيقة عنها ، لكننا مع ذلك نحذر من الإفراط بالمبالغة والتطير ، وفي أي اتجاه كان ، فلا رئيس الحكومة انتهت صلاحيته بعد ، وبات مطلوبا إزالته عن "الأرفف" من قبل جمعيات أصدقاء المستهلك ، ولا الفساد في إسرائيل ضرب رقما قياسيا يجعل الفاسدين في عواصمنا العربية يستريحون على حرير القول بأن "ما حدا أحسن من حدا" ، إذ شتان بين نظام يساق في رئيس الحكومة إلى التحقيق من "قفاه" نظير حصوله على رشا "سخيفة" بمعاييرنا ، أو يعزل فيه رئيس دولة من قصره المنيف بسبب تحرشه بإحدى موظفاته ، وبين رؤساء حكومات ووزراء ومتنفذين وقيادات و"زعران" ، فسادهم "شطارة" وبطولاتهم النسائية "فحولة فائضة" ، تتطاول قصورهم وتتراكم ثرواتهم من دون أن يتعرض أي منهم للمحاسبة والمساءلة ، بل ومن دون أن يجرؤ أحد على السؤال: من أين لك هذا؟،