توالي ألأنباء المزعجة عن قيام خلايا كويتية إرهابية نائمة بتجنيد العديد من الشباب الكويتي ودفعهم للقيام بعمليات إنتحارية إرهابية في العراق أو أفغانستان هي واحدة من الظواهر الجديدة في الكويت التي تعيش على إيقاعات تغيير دائمة و متواصلة منذ أن برزت على مسرح السياسة الدولية في مطلع القرن الماضي لتتمخض الظاهرة الكويتية في ستينيات القرن العشرين ببروز دولة الكويت الحديثة على الأسس الدستورية و الديمقراطية ووفق صيغة مشاركة سياسية إرتضاها ( أهل الديرة ) جميعا و كانت خيمتهم في الأزمات و الملمات التي عصفت بالكويت و المنطقة عموما بعد توترات الثمانينيات و تطورات التسعينيات و ما أعقبها من أحداث هزت العالم بأسره و خلقت وضعا كونيا جديدا و مختلفا بالمرة عن كل الحقب السابقة .
و دون شك فقد شارك الشباب الكويتي بإعتماده سلاح التغيير الأول و الأمضى في المجتمع بكل حقب و مراحل التغيير و شهدت مرحلة تأسيس الدولة و المجتمع العصري الحديث بروز أسماء تاريخية و رائدة أضافت للمشهد السياسي و الإعلامي و الثقافي إضاءات مشرقة ميزت الظاهرة الكويتية و أعطتها زخما و بعدا حضاريا شامخا و متألقا و ساهم شباب التأسيس سواءا كانوا من الأسرة الحاكمة أو من الشعب في بلورة و تجسيد الكويت الحديثة المزدهرة ووفق قيم التسامح و البناء و العمل الدؤوب .
و من يعرف الكويت و شعبها يعلم جيدا أن التسامح وقبول الرأي الآخر و الطيبة و السمو عن الغلو و التطرف هي من أهم سمات المجتمع الكويتي و الذي دفع قادته و رجاله الرواد الأوائل الدم العبيط للدفاع عنها و تنميتها و رفض كل أشكال التطرف و الهيمنة و الحجر على الأفكار أو إشهار السيف بوجه القلم أو قتل الآخرين من أجل الوصول للحقيقة!! و التطرف الديني أو المذهبي هو أبعد الأشياء عن التفكير الجمعي للكويتيين الذين هم في البداية و النهاية مجتمع بحري تجاري مفتوح على العالم و أفكاره و تطلعاته و متفتح دائما لإستلهام و إقتباس كل ما هو جديد و متطور و إنساني .
لقد عاش الكويتيون بالدم و المال كل مخاضات تكوين النظام الإقليمي العربي و حتى الإسلامي و ساهموا بسخاء في التخفيف عن مآسي و كوارث العرب و المسلمين ، و كانت الكويت في الخمسينيات و الستينيات قاعدة عمل قومية مهمة فبها و على أرضها نشأت الثورة الفلسطينية و بسخاء الشعب الكويتي نمت تلك الثورة و أنطلقت ، و من خيرات الكويت إنطلقت قوافل الخير و التنمية لتبني الطرق و المعاهد و الجماعات و تسد حاجة المحرومين و تساهم في تعبيد الطريق التنموي لكل العرب و المسلمين .
كان جيل الرواد من الشباب الكويتي الناهض يحمل على أكتافه عبأ مساعدة الأهل و الأشقاء و رأينا البصمات الكويتية الشاخصة حتى اليوم في اليمن و الجنوب العربي و علمنا و يعلم التاريخ إن إنطلاقة دبي الكبرى كانت بدايتها كويتية محضة كما أن كل حركات التحرر في العالمين العربي و الإسلامي كان للشعب الكويتي وجود فاعل فيها فهي من العرب و إلى العرب و الإنسانية جمعاء ، لم تغلق الكويت حدودها على ذاتها لتتقوقع في عزلة أو إنكفاء بل كانت وهي في أشد لحظات تاريخها قتامة و سوداوية متفتحة على قيم الخير و العطاء ، بصمات الكويت و إنجازاتها التاريخية في حقن الدم العربي و المسلم أكبر كثيرا من أن يتم التعتيم عليها ، فهي ما غيرها من حفظ و حقن الدم العربي في شوارع عمان في أيلول الأسود عام 1970 وهي التي حقنت شلالات الدم اليمنية أيام حروب الشمال و الجنوب اليمني وهي التي جمعت المغاربة و الجزائريين على كلمة سواء وهي التي ساندت أشقاؤها في الخليج العربي لنيل إستقلالهم و تحقيق وحدة الشعب الخليجي ثم العربي .
ما كان يذكر إسم الكويت حتى تقترن معه صفة التسامح و التطور و البناء ، فمن الكويت ما قبل الإستقلال إنطلقت مجلة العربي الرائعة لتكون العنوان المستقبلي للفكر الكويتي الحر الملتزم و ما زالت ومن الكويت برزت القيادات السياسية و الفكرية و الفنية التي زرعت الأبداع في عموم الفكر العربي ، كانت هنالك قوافل و أسماء العباقرة من المبدعين الكويتيين في مختلف المجالات السياسية و الفكرية و الفنية ، كان هنالك المرحوم عبد العزيز حسين ، و عبدالله زكريا الأنصاري و المرحوم أحمد الربعي و الدكتور محمد الرميحي و الأستاذ عبد الرحمن سالم العتيقي و المرحوم صقر الرشود ، و على المستوى الفني كانت هنالك قوافل طويلة لمبدعين كويتيين شكلوا جزءا مهما من عموم جيل الثقافة العربية المبدع ، من يوسف و عوض دوخي مرورا بيوسف المهنا و عبد الرحمن البعيجان و أحمد باقر و شادي الخليج و عبد الحميد السيد و غنام الديكان و يوسف ناصر و عبد الله فضالة و عبدالله رويشد و تختزن الذاكرة مئات بل آلاف من شباب الإبداع الكويتي الذي يواجه اليوم للأسف خطر زحف الفكر التكفيري العدمي الإنتحاري المتطرف المريض الذي نما و أزدهر في ظل الظروف التي نعرفها و نعيشها جميعا .
و إنتشار ظاهرة الفكر المتطرف بين أوساط الشباب الكويتي بعيدة كل البعد عن الجذور الفكرية أو الطبيعة النفسية للشعب الكويتي وهي نتاج مأساوي لحالات جمود ثم تراجع فكري و قيمي حقيقي لعموم شعوب المنطقة و من بينها الشعب الكويتي ، فالنظام السياسي الكويتي لم يقصر بأي شيء في حق الشباب و لا يمكن أبدا مقارنة ظروف الشباب الكويتي و الإمكانيات التي توفرها له الدولة بظروف الجماعات الإنتحارية مثلا من شباب شمال أفريقيا!
فالفارق شاسع و البون عظيم ، لربما توفرت جوانب محددة من تراجعات مسلكية و إدارية معينة ، لن أتوغل بعيدا في التحليل و الشرح و التوضيح لما يحدث من تحولات فكرية و منهجية خطيرة لدى أوساط الشباب الكويتي فأهل مكة أدرى مني بشعابها! و لكن ثمة حقيقة واضحة ينبغي أن تعرف وهي كون الكويت مستهدفة سياسيا و فكريا من أكثر من طرف و أن هنالك العديد و الكثير من الخلايا النائمة... فالحذر ثم الحذر ، فالأيام القادمة حبلى بمفاجآت قد تشيب لهولها الولدان... و الله أعلم..!. فجماعات التخريب الإسلاموي قد إستفحل خطرها بعد أن نشرت سمومها القاتلة و التصدي الحازم لها مسؤولية وطنية كويتية عليا.. تلك هي الحقيقة بلا رتوش تجميلية و جحور الأفاعي مكشوفة و معروفة في الكويت خصوصا!!.