وجّه البريطانيون من خلال صناديق الإقتراع , رسالة إحتجاج حاسمة وغاضبة . وبعد أن كانوا في حالة حب وغرام شديدين لحزب العمال الجديد , أصبحوا لا يطيقونه ويعبرون عن ضجرهم منه ومن زعماء يحتلون موقع القيادة .
مارس الناخبون إنتقامهم الديمقراطي من حكومة لم تعد تهتم بهم , وتركت سوق العقارات يتراجع وأسعار المواد الغذائية ترتفع , مع حالة من الغلاء وزيادة الضرائب والأعباء الأخرى على كاهل المواطنين .
ولأن البريطانيين يملكون سلاح الإنتخابات وتحميهم ديمقراطية سليمة , فقد أسقطوا نواب الحزب الحاكم في إنتخابات المحليات , عبر هزيمة قاسية ومهينة , لم تحدث منذ أربعين عاماً .
وما حدث في هذه الإنتخابات , يعبر عن إنتقام ديمقراطي صريح من حكومة تتهاون في الأداء العام ولا تتحرك بقوة دفع لتحسين حياة مواطنيها . وقد وجّه الرأي العام في العاصمة , ضربة أخرى للحكومة بنزع منصب عمدة لندن منها , ومنحه إلى المحافظين .
وعلى الرغم من أن العمدة السابق كين ليفينغستون على دراية واسعة بشؤون لندن وله سياسات ناجحة تماماً , فإن سكان العاصمة أرادوا الإنتقام من الحزب الحاكم بإسقاط مرشحه , مع أن العمدة الجديد الذي أعطوه أصواتهم , ليس في مهارة الآخر الذي تخلوا عنه , إنتقاماً من رئيس الوزراء غوردون براون , والذي يبدو بأنه هدف الإحتجاج والإنتقام الديمقراطي الذي عبًر عن نفسه في إنتخابات مباشرة وحرة تعكس المزاج العام بشأن محليات وحاكم العاصمة المنتخب .
ويسمح الأداء السياسي في عملية يحميها القانون , للناخبين بالتعبير عن أنفسهم سلمياً , والقيام بإنقلابات لا يجري إستخدام الدبابات فيها , ولا تُهدر في الشوارع الدماء أو تقتل الشرطة الأبرياء بإطلاق الرصاص عليهم لمجرد أنهم يحتجون .
إخترع أهل التمدن الإنساني وسيلة بديعة , إسمها إنتخابات , تزيل من كراسي الحكم غير المرغوب فيهم وتأتي بآخرين , عبر الإختيار المباشر الذي تصونه وتحميه قوات الأمن التي تطبق القانون . وأجهزة الأمن هنا , تحمي خيار المواطنين وتوفر أمامهم فرصة التعبير بالكامل .
وصندوق الإنتخابات هو الحاسم , فقد تم في إنكلترا وويلز إزالة أغلب المواقع العمالية داخل الحكومات المحلية , وتم إعطاء هذه المقاعد لحزبي المحافظين والليبراليين , وطرد ممثلي الحزب الحاكم تعبيراً عن غضب وإحتجاج وإعتراض على سياسة الحكومة .
وتأمل الحالة الراهنة في بريطانيا تشير لكراهية الحزب الحاكم الذي يتولى السلطة منذ أكثر من عشر سنوات , ولم تعد لديه الأفكار الجديدة وجفت ينابيع الإبتكار لديه مما يؤكد أهمية تغييره .
وعندما جاء هذا الحزب للسلطة في عام 1997 , أحدث أكبر حركة تغيير في البلاد وسمح بنمو إقتصادي وبقيام برلمانات وحكومات منتخبة في إسكتلندا , ويلز و أيرلندا الشمالية مع إنتخاب لعمدة لندن .
قوة دفع الحزب العمالي , أصابها العطب والجفاف , وإرتبك منذ غزو العراق , وإستقالة توني بلير رئيس الوزراء الأسبق وصعود غوردون براون . وكان الأمل أن يأتي الزعيم الجديد بسلسلة من الأفكار تعالج الأخطاء وتصلح من ممارسات وسياسات فاشلة , غير أن رئيس الوزراء أصابه هو شخصياً العطب , ولم يعد يفكر أو يتحرك , وسقط في حالة من الجمود والبلادة السياسية .
كانت إنتخابات المحليات وعمدة لندن , فرصة لإعلان الإحتجاج والغضب عبر ورقة الإقتراع , لتأكيد أن الإلتفاف حول حزب العمال الجديد إنتهى ولابد البحث عن بديل لتولي السلطة عند إجراء الإنتخابات العامة المقبلة .
وإذا ضمنت الشعوب سلامة صندوق الإقتراع , تجدد حياتها وتغير قياداتها السياسية دون إراقة دماء أو سقوط ضحايا أو فتح معتقلات لإستقبال الآلاف من المحتجين على الجمود والإستبداد .
لقد حدثت في بريطانيا عملية الإطاحة بعمدة لندن وتغيير نواب الحكومات المحلية في إنكلترا وويلز , دون تظاهرات وإعتصامات وعصيان مدني , لماذا ؟ لأن النظام يفتح أمام الجميع فرصة الإختيار المباشر والحر , لذلك تنعم هذه الأمم بالإستقرار والتفرغ لبناء حياتها , بينما المجتمعات التي تحارب الإنتخابات الديمقراطية , تتعثر في ظل أشباح الإستبداد وقوات القمع وجيوش التخلف , التي تخنق كل شئ , فتعم رياح الإحباط والتمزق واليأس أيضاً .
وعندما تمنع التغيير بالقوة , تنمو التيارات السرية وتنتعش الأحزاب المتطرفة الموجودة تحت الأرض . أما عندما تفتح نوافذ الحياة السياسية فتنعم المجتمعات بالإستقرار وتكون لديها قدرة حقيقية على نمو التعليم والإبتكار بكل أشكاله . وعند زيارة مناطق الفنون والمسارح والمتاحف داخل لندن , تشهد عشرات الإعلانات عن مسرحيات وأفلام ومعارض جديدة للفن التشكيلي . ويعود كل هذا الإبداع لنهضة العقل والإستناد على مناخ ديمقراطي يسمح للجميع بالتعبير والإبتكار , دون خوف أو مصادرة , بينما في بلاد القمع الأسود , نرى الخائفين مع إنتشار النفاق علامة على الضعف والتدهور والإنهيار .
لقد شاهدنا رئيس الحكومة البريطانية غوردون براون يتعرض لعشرات الأسئلة الساخنة , التي تطرح إحتمالات تنحيه وأنه غير قادر على الحكم ومن الأفضل له ترك السلطة لغيره . وكان < براون > يجيب على هذه الأسئلة الساخنة والحادة بهدوء كامل ويتحدث في المقابل عن برامجه لمواجهة الأزمة حتى لا يطيح به الرأي العام عند إنعقاد الإنتخابات العامة في 2010 .
ومن حق الصحافي سؤال رئيس النظام والتشكك في أدائه والحديث عن أنه مُتعب وغير قادر على الإستمرار , وأعطت الأسئلة فرصة لغوردون براون لتأكيد بأنه في صحة جيدة وحيوية بالغة وأن الحكم في الأيام المقبلة لبرامج سيطرحها لمعالجة ضياع الثقة من حكومته , حيث يعد عبر سياسات بجذب الرأي العام إليه مرة أخرى .
الإحتجاج البريطاني كشف عن قدرة الإنتخابات المباشرة في إحداث التغيير , أما على الجانب الآخر المظلم فهذا التغيير يجري قمعه , لذلك تستمر الأزمات والإحباطات والنكسات والهزائم .
وتضع بريطانيا نفسها أمام خيارات متنوعة , لكن الهاجس الأصيل الذي يطرح نفسه هو التغيير , سواء تجاه حكومة جديدة , أو تقوم الحالية الموجودة في السلطة بتجديد نفسها والظهور أمام الرأي العام بمنطق مختلف يحاصر الأزمات ويسعى للقضاء عليها , مع الوعد بأمل يفتح آفاق المستقبل .