يعاني الفنان المسرحي العراقي علي بصيّص آلاما ً مبرحة ً بعد بتر قدمه وجلوسه في البيت وفي هذا الزمن الصعب المعقّد , والفنان بصيّص يعاني الإهمال وهو في محنته هذه , يصارع تحديات الحياة وعوز العائلة وعدم قدرته على أداء أيّ فعل ٍ يستطيع من خلاله تأمين قوت يومه , وهو الذي قدّم عطاءه المتميّز في المسرح , ونذر حياته لهموم هذه الخشبة التي حلّقت بأحلامه , وأطلقت أجنحة خياله , ولكنه سرعان ما سقط بين براثن المرض وغول مأساته , فاعتزل المسرح مضطراً , حزينا ً باكيا ً , ولم يستطع الركض في مضمار الحياة , لأن المرض سلبه قدمه التي طالما سعى بها راقصا ً مبتهجا ً بأدائه الرائع .
عرفتُ الفنان علي بصيّص , مطلع ثمانينيات القرن الماضي , حين كنت ُ أدرس في الناصريّة , وكان هو شابّا ً نافراً طموحاً يتألق بين زملائه أعضاء فرقة ذي قار للتمثيل , هذه الفرقة التي قدّمت أعمالا ً في غاية الأهميّة , وأنجبت أسماء ً أثرت ْ المسرح العراقي , المعروف بتطوّره وتقدّمه في رحاب المسرح العربي , وعلى هذه الخاصيّة دلائل وشواهد كثيرة لسنا هنا بصددها , كان علي بصيّص صديقا ً قريبا ً لي , وكان يسألني دائما ً وبلهفة عن رأيي بأدائه , وكان يفرح , حين أكون حاضرا ً عرضهم المسرحي , لأنني كنت ُ حينها أجيئهم بجوقة من جمهور الطلبة من زملائي , وكنا نملأ فراغا ً كبيرا ً في ثنايا قاعة العرض , وكان الأمر يبهجهم فيقدمون العرض بأبهى تجلياته .
وكنا خارج المسرح , نتداول شؤون الثقافة بعمومها , وكان علي بصيّص من بين المثقفين الذين يتعاطون الثقافة الموسوعيّة التي لا تقتصر على المسرح , بل تتعداه إلى مجالات الثقافة الأخرى , وكان يحاورني بالأدب والشعر حوارات أفاجأ بدقتها , ورصانة آرائه ووعيه الحاد الثاقب إزاءها , حتى فرّقتنا حياة الحروب , ثم جمعتنا حرب الحياة في جنان بغداد , فالتقينا ثانية , وكان علي بصيّص مازال غارقا ً بطموحه , حدّ أنّه انتزع منّي نصّا ً مسرحيّا ً من المونودراما , كتبته تحت مؤثرات ثقافيّة وحياتيّة خاصّة , فساهم بصيّص بخروجه على الملأ , وشارك في أحد مهرجانات المونودراما التي كانت تقيمها دائرة السينما والمسرح , وحفّزني لكتابة نصّ مسرحيّ آخر , قدّم هو الآخر في أحد المهرجانات , وبقي علي بصيّص في بغداد , حتى خنقته الحياة القاسية فعاد إلى مدينته الحبيبة المبدعة الدافئة الناصرية , لينطلق ثانية في رحاب مسرحها الباسل مع عدد من الفنانين الرائعين , لكنني فوجئت ُ بأخباره الصحيّة المؤلمة المقلقة , حتى فجعني نبأ بتر قدمه , ثم شاهدته في إحدى القنوات الفضائية وهو يئن ألما ً وحسرة ً وإهمالا ً , فبكيت ُ على حاله , وعلى هذا الزمن القبيح الذي افترس أحلامه وأحال جسده إلى كتلة من معاناة , كانت ضحيتها موهبته الكبيرة , وعائلته المسكينة , فهو ربّ أسرة , تريد الحياة في زمن القحط هذا .
واتصل بي علي بصيص , قال لي بحسرة ٍ : لقد حصلت ُ على رقم هاتفك من الشاعر خضر خميس يا منذر , وهاأنذا أتصل بك , وأنا على فراش المعاناة والمرض , أريد منك تلفون الصديق ناجي إبراهيم , لا أحد عندي غيركما , أناشدكما , فأنا في أسوأ حال فيما تعاني عائلتي الأمرّين !
عندها , شعرت ُ بغصة كبيرة , وحيرة لا حدود لها , أنه يستحق منا وقفة إنسانيّة نبيلة , وهاأنذا ومن هذا المنبر الحر الشريف , أناشد كل المعنيين , جهات وأصدقاء , للوقوف مع علي بصيّص في أزمته , ومحاولة مد يد العون لإنقاذه ...