أكّد ولي عهد الأردن السابق الأمير الحسن بن طلال ، رئيس منتدى الفكر العربيّ وراعيه ، أنّ كرامة الإنسان العربي لا بدّ أن تتصدّر قائمة أولويّاتنا إذا أردنا تفعيل العمل العربي المشترك ، وأنّ ترسيخ مفهوم المواطنة لا يتحقّق إلاّ بالحفاظ على هذه الكرامة. كما أنّ هذا المفهوم يجب أن ينطلق من خصوصيّتنا وهُويّتنا نحو آفاق الإنسانيّة المشتركة الواحدة.
جاء ذلك خلال حفل أقامه الأمير الهاشمي أول من أمس الثلاثاء في نادي الملك الحسين ، للمشاركين الأردنيّين في الندوة الفكريّة السنويّة للمنتدى "المواطنة في الوطن العربي" ، التي عُقدت في العاصمة المغربيّة الرباط 21 - 22 ـ 4 ـ ,2008
وأوضح الأمير الحسن بن طلال أنّ المواطنة أو المواطنيّة إنّما تعني إعادة بناء الذات من أعمق الأعماق: بل إعادة هندسة الكينونة العربيّة من أجل أن نكون جزءًا من المواطنة العالميّة ، وأن هذه المواطنة المنشودة تستند إلى حزمة من المفاهيم المبنيّة على الإرادة الجمعيّة ، التي تحدّد التوازن بين الحريّة والمسؤوليّة ، والتحوّل من مفهوم فردانيّة الأفراد بالنظرة الأبويّة والرعويّة إلى مفهوم المواطنين ، وتمكين الفرد وتفويضه من أجل ممارسة حقوقه ، والملكيّة التشاركيّة وإدارة الثروات وتوزيعها ، والشّفافيّة في الاتصال والتواصل ، والديمقراطيّة التشاركيّة المستندة إلى الحوار الموصول ، وإطلاق الإمكانات والطاقات الفرديّة والجماعيّة ، والتنوّع ضمن إطار الوحدة ، والاعتماد المتبادل بين الأفراد والجماعات ، والقواسم العالميّة المشتركة التي تتعدّى الحدود الوطنيّة والإقليميّة ، مثل قضايا الغذاء والمياه والاحتباس الحراري والأوبئة واللاجئين.
ودعا رئيس منتدى الفكر العربي في هذا الصدد إلى بناء تحالف يعتمد قواسم عالميّة تشترك فيها الأمم: مؤكّدًا ضرورة الحاجة إلى تضامن جهود القطاعين العام والخاص: فضلاً عن القطاع الثالث الذي يأخذ من هذين القطاعين لبناء مجتمع الكفاءة. وقال: لا أتحدّث هنا عن النُّخب الوظيفيّة في الحكومات والقطاع الخاص ، مع احترامي لهما: لكنّني أتحدّث عن الأفكار التي تجمع ، وعن الموضوعات التي تعظّم الصالح العام.
وأضاف أن بناء القواسم العالميّة هو مسؤوليّة الجميع: الحكومات وأصحاب الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني. وأشار إلى دعوته الموصولة منذ ما يزيد على ربع قرن إلى نظام إنساني عالمي جديد ، وكذلك إلى وضع مسوّدة قانون عالميّ للسلم الاجتماعي ، يجمع عناقيد التعاون الدوليّ الثلاثة: الأمن والاقتصاد والثقافة الإنسانيّة في سيرورة جديدة ، يشترك في صياغتها غربي آسيا وشمالي إفريقيا ، إلى جانب الأقاليم الأخرى في جنوبي آسيا وجنوبي غربها.
* تغيير الذهنيات والأنفس
وذكَّر الأمير الحسن بأنّ هذا الهدف لن يتحقّق من دون تغيير في الذهنيّات والأنفس ، ومن دون العقل التحليليّ النّاقد ، ومن دون قاعدة معلوماتيّة ومعرفيّة إقليميّة شاملة. وقال: إذا أردنا أن نعطي لكلّ مواطن سهمًا في هذا المشروع الكبير ، فلا بدّ من تعزيز معرفته بحقوقه وواجباته. كما أنّ بناء ثقافة السلام والأمن الإنساني فيما بيننا أوّلاً ، ومع الآخر ثانيًا ، يتطلَّب تطبيق المعايير والدساتير الدوليّة.
وفي معرض حديثه عن إعلان الرباط حول المواطنة العربيّة ، الذي انبثق عن ندوة المنتدى السنويّة مؤخرًا ، أوضح سموّه أنّ مجريات الواقع العربي والعالمي تفرض سرعة العمل نحو صياغة ميثاق مواطنة عربي ، لا سيما ونحن على أعتاب الذكرى الستين لإعلان الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ، وأنّ هذا المشروع الذي نصبو إليه يجب أن يؤكّد عدم الفصل بين السّلم الأهلي وحقوق الإنسان ، كما يجب أن يأخذ في الحسبان ضرورة جَسر الفروقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة ، وتأسيس قاعدة معلوماتيّة دقيقة تسجّل واقع المواطن العربي بجوانبه المتعدّدة بمعزل عن تأثير ما تبثّه إلينا وسائط الإعلام الغربيّ ، وتبدأ هذه الخطوة بما وصفه سموّه ببداية عمليّة التفاعل بين الجهات المعنيّة للدفع برسالة المواطنة ، من خلال توزيع استمارة الميثاق على هيئات المجتمع المدني العربي: متضمّنةً نمطًا موضوعيًّا من الأسئلة وليس سياسيًّا. ودعا سموّه المنتدى إلى الاهتمام بشرح مفاهيم هذا الميثاق ضمن السياق نفسه.
وركّز الأمير الحسن بن طلال على أن المواطنة العربيّة هي نقطة الانطلاق نحو المواطنة العالميّة ، وقال: يجب أن يُقام مفهوم المواطنة على أساس غير قطري: أي أن يُبنى على الاستقلال المتكافل ، وعلى التكامل بين البيئة الإنسانيّة والبيئة الطبيعيّة.
* نص إعلان الرباط
وكان أمين عام المنتدى ، د. حسن نافعة ، قد تلا في بداية اللقاء نص "إعلان الرباط حول المواطنة في العالم العربي "2008 ، الذي أكّد أن المواطنة الفاعلة هي الإطار الأمثل لمواجهة التحديات الداخليّة والأخطار الخارجيّة وتأكيد الهويّة الثقافيّة والحضاريّة العربيّة: فضلاً عن حقّ الإنسان العربيّ في التمتع بحقوق المواطنة كاملة دون تمييز يستند إلى الجنس أو الدين أو العرق أو الطائفة أو المذهب أو اللون أو غير ذلك من أشكال التمييز.
وفيما يلي نص مشروع إعلان المواطنة كما ورد من المنتدى:
نحن ممثلي المجتمع المدني:
إيمانا بحق الإنسان العربي في التمتع بحقوق المواطنة دون تمييز علي أساس من الجنس أو الدين أو الطائفة أو العرق أو المذهب أو اللون أو غير ذلك من أشكال التمييز؛
وتعبيرا عن القلق إزاء ما يجري من انتهاكات لهذه الحقوق بما يمس كرامة الإنسان العربي ويؤدي إلي تفجر صراعات متنوعة باتت تهدد استقرار المنطقة ووحدة وتماسك الأوطان والمجتمعات العربية وإلحاق أفدح الأضرار بأمن الأوطان والمواطنين ورفاهيتهم؛
واقتناعا بأن ترسيخ المواطنة والارتقاء بأوضاعها في العالم العربي هو السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق، وأن الحاجة باتت ملحة لصياغة مفهوم شامل للمواطنة العربية يتسق مع المعايير الدولية وترجمته إلي قواعد قانونية قابلة للتطبيق علي الأرض وتلتزم الأطراف المعنية كافة بتطبيقها تحت سلطة ورقابة مؤسسات شرعية مستقلة تعمل في إطار من الشفافية التامة؛
نعلن:
أولاً: أن المواطنة هي أداة لبناء مواطن صالح قادر علي العيش بسلام وبروح من التسامح مع غيره من البشر علي أساس المساواة التامة ومن دون أي شكل من أشكال التمييز، والارتقاء بإنسانية الإنسان. وتشكل المواطنة، بهذا المعني، أساسا صُلبا ليس فقط لبناء الدول والمجتمعات الحديثة، وإنما أيضاً لإدارة العلاقات الدولية المعاصرة وفقا لقواعد العدل والإنصاف وبعيداً عن توازنات القوي وطموحات الهيمنة.
ثانياً: لمفهوم المواطنة أبعاد متعددة تتكامل وتترابط في تناسق تام: بُعْد سياسي قانوني يتطلب تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين، استنادا إلي عقد اجتماعي يوازن بين مصالح الفرد والمجتمع؛ وبُعْد اقتصادي اجتماعي يستهدف إشباع الحاجات المادية الأساسية للبشر ويحرص علي توفير الحدّ اللازم منها علي نحو يحفظ لهم آدميتهم؛ وبُعْد ثقافي حضاري ويعني بالجوانب الروحية والنفسية والمعنوية للأفراد والجماعات علي أساس احترام خصوصية الهُويات الثقافية والحضارية ويرفض محاولات التنميط والاستيعاب والاستبعاد والتهميش.
ثالثا: لبناء مجتمعات المواطنة السليمة، يتعين ضمان تمتع الأفراد والجماعات بحدّ أدني من الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحقوق الثقافية والحضارية، وفْقا لما هو منصوص عليه في المواثيق والمعاهدات الدولية، خاصة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة لحقوق الإنسان عام 1948.
فعلي الصعيد السياسي القانوني:
لا تستقيم المواطنة بغياب انتظام العلاقة بين الحكام والمحكومين وفق عقد اجتماعي يحدد حقوق الطرفين وواجباتهما. وفي سياق تلك العلاقة التعاقدية، يتعين أن يستمد الحاكم شرعيته من إرادة المواطنين، معبراً عنها بحرية لا تحدّها عوائق أو قيود، وأن يكون مسئولا عن حماية أمنهم وسلامتهم وتحسين أحوالهم المعيشية والخدمية وإدارة شؤونهم وفقا لما تقضي به قواعد العدل والإنصاف. وقد نصت الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية علي جملة من الحقوق السياسية والمدنية لا يستقيم مفهوم المواطنة بدون توفير الحدّ الأدنى منها، أهمها:
1- الحق في الحياة والحرية والسلامة البدنية، وعدم التعرض للاسترقاق أو الاستعباد أو التعذيب، أو لعقوبات ومعاملات قاسية أو وحشية تحط من الكرامة الإنسانية، أو للقبض أو النفي التعسفي.
2- الحق في التقاضي أمام محاكم نزيهة ومستقلة، وفي التمتع بحرمة المسكن وخصوصيته، والمراسلات والحياة الشخصية والأسرية، وعدم المساس بالشرف أو السمعة.
3-الحق في الحصول علي جنسية، والتنقل بحرية، واختيار محل الإقامة، وكذلك اللجوء هربا من الاضطهاد.
4- الحق في التملك وحرية التفكير والضمير والدين، وممارسة الشعائر، والانضمام إلي أحزاب سياسية وجماعات مدنية سلمية، والمشاركة في إدارة شؤون البلاد وتقلد الوظائف العامة.
وتجدر الإشارة إلي أن المادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصّت في فقرتها الثالثة علي أن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة. ويعبّر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري علي أساس الاقتراع السري وعلي قاعدة المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت .
وعلى الصعيد الاقتصادي الاجتماعي:
لا تستقيم المواطنة من دون توافر حدّ أدني من العدالة الاجتماعية؛ وهو ما يقضي بضرورة تصحيح أي خلل في توزيع الثروة والسلطة والتأكد من أن إطلاق المنافسة بين الأفراد والجماعات، وفقا لآليات السوق، لن يؤدي إلي اهتزاز في موازين العدالة أو يفضي إلي تهميش فئات اجتماعية معينة واغترابها كالأقليات الدينية والطائفية، أو الفقراء ومحدودي الدخل، أو المرأة، أو كبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة. وقد نصت الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية علي جملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يستقيم مفهوم المواطنة من دون توفير حدها الأدنى، منها:
1- حق كل مواطن في العمل، والحماية من البطالة، والحصول علي أجر يكفل له ولأسرته حياة كريمة من دون تمييز.
2- حقه في الراحة والتمتع بأوقات فراغ وإجازة مدفوعة الأجر.
3- حقه في الانضمام إلي نقابات مهنية تدافع عن مصالحه، والحصول علي ضمان اجتماعي، والتمتع بمستوي معيشة يوفر له مسكنا وملبسا وتغذية وتعليما ورعاية صحية ملائمة.
4- حقه في التأمين ضد البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وفقدان وسائل العيش لظروف قاهرة أو خارجة عن الإرادة.
5- حقه في مشاركة حرة في حياة المجتمع، وفي الاستمتاع بالفنون، والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه، وفي حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة علي إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني.
وعلي الصعيد الثقافي الحضاري:
لا تستقيم المواطنة من دون حماية الخصوصيات الثقافية والحضارية للأفراد والجماعات، مما يتطلب اتخاذ الإجراءات اللازمة، خاصة في الدول التي تقطنها شعوب متعددة الأعراق والأديان والطوائف، للمحافظة علي التوازن بين الهويات والانتماءات الثقافية والدينية القائمة، والحيلولة دون تحكم جماعة أو طائفة بعينها في سائر الجماعات والطوائف، أو السعي لفرض الوصاية عليها، مستغلة في ذلك أغلبيتها العددية أو ثقلها السياسي أو مكانتها الاقتصادية. فمن حق كل جماعة عرقية أو دينية وكل طائفة أن تعبر عن هويتها وذاتها الثقافية، وأن تمارس شعائرها وطقوسها الدينية في حرية تامة، ضمن حدود القانون والنظام العام وبما يحفظ حقوق الجميع ويمكنهم من ممارسة حق الاختلاف في إطار الحرص علي الوحدة.
رابعاً: لم يتمكن الوطن العربي حتى الآن، للأسف الشديد، من توفير الحد الأدنى من حقوق الأفراد والجماعات اللازمة لبناء مجتمعات مواطنة سليمة، سواء علي الصعيد السياسي القانوني أو علي الصعيد الاقتصادي الاجتماعي أو علي الصعيد الثقافي الحضاري، لأسباب عدّة أهمها: أطماع الخارج، واستبداد الداخل، وازدهار ثقافة التطرف والعنف وعدم التسامح.
فقد أدت الأطماع الخارجية إلي انتهاك حقوق أوطان وشعوب عربية، خاصة في العراق وفلسطين، حيث تسبب الاحتلال الأمريكي للعراق في قتل أكثر من مليون مدني وتشريد حوالي أربعة ملايين آخرين، وفي تصعيد التوتر والعنف الاجتماعي ونهب ثروات البلاد الطبيعية وتدمير تراثها الثقافي، بل في تعميق الصراعات الطائفية إلي درجة باتت تهدد بحرب أهلية وربما إقليمية، كما تسبب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في قتل آلاف المدنيين وجرحهم، وتشريدهم وحصارهم وتجويعهم الملايين. أما استبداد الداخل فيعد مسئولا عن الانتهاكات الخطيرة للحقوق السياسية والمدنية للأفراد والجماعات وعرقلة قيام مؤسسات قضائية مستقلة، أو هيئات نيابية تمثيلية حقيقية فاعلة، أو مجتمعات مدنية قوية، أو أحزاب ونقابات قادرة علي تفريخ كوادر سياسية ونقابية مؤهلة للقيادة، فضلا عن شيوع الفساد وممارسة الاضطهاد والاعتقالات التعسفية والتعذيب. وتعاضدت أطماع الخارج مع استبداد الداخل ليصبا معاً في نهر من التطرف فاضت مياهه بجماعات وجدت في ممارسة العنف والإرهاب ضالتها ووسيلتها الوحيدة للتغيير، وراحت تشيع في المجتمع ثقافات وممارسات تمييزية أقل ما يقال عنها إنها تنسف فكرة المواطنة من أساسها.
خامساً: لتفعيل المواطنة في الوطن العربي تبدو الحاجة ماسة إلي خطة عمل رباعية الأبعاد:
بُعدها الأول: تحرير الأوطان العربية من كل احتلال أجنبي. فحقوق الأوطان والشعوب هي أم الحقوق كلها، ويصعب علي الإنسان أن يتمتع بحقوقه الفردية أو الجماعية في وطن محتل أو خاضع أو مقيد الإرادة. وخضوع الأوطان للاحتلال الأجنبي أو للقهر أو للتبعية بأشكالها المختلفة يحرم الشعوب من حقوق أساسية نصت عليها المواثيق الدولية، أهمها: الحق في تقرير المصير ومكافحة الاحتلال والاستعمار بكل الوسائل المتاحة بما فيها الكفاح المسلح، وحق الشعوب في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بحرية من دون وصاية من أحد، وفي السيطرة علي مواردها وثرواتها الطبيعية...الخ.
لذلك يعبّر المجتمعون عن قناعتهم التامة بأن زوال الاحتلال الأجنبي وتحرير الأوطان العربية من كل صور الاحتلال والهيمنة والتدخل غير المشروع في شؤونها الداخلية يعدّ مدخلاً وشرطاً مسبقاً لأعمال حقوق المواطنة في الوطن العربي. كما يعبرون عن قناعتهم بأن غياب الممارسة الديمقراطية علي مستوي النظام الدولي يشكل عقبة أساسية أمام التحول الديمقراطي على الصعد الإقليمية والمحلية، ويحول دون ترسيخ مبدأ المواطنة وفق معايير موحدة عالمياً.
بعدها الثاني: كبح جماح الاستبداد. فالاستبداد والمواطنة لا يلتقيان. ويصعب علي الشعوب العربية تغيير واقعها وتحويل وضعها الحالي كرعايا إلي مواطنين من دون إطلاق عملية إصلاح سياسي شامل. وفي ظل التباين القائم بين درجة التطور السياسي والاجتماعي في البلدان العربية، يصعب الحديث عن وصفة موحدة للاصلاح السياسي رغم حاجتها الماسة لها. ما يعنينا هنا هو جوهر النظام السياسي وفعاليته في أداء وظائفه وليس شكله. لا يتصور نجاح أي عملية لإصلاح سياسي حقيقي من دون توافر ثلاثة أنواع من الآليات: آلية للمشاركة السياسية تضمن تداولاً سلميًا للسلطة؛ وآلية للرقابة والمساءلة علي الصعيدين السياسي والقانوني؛ وآلية لممارسة الحريات وإشباع الحاجة للحصول علي المعلومات في جو من الشفافية.
بعدها الثالث: مكافحة الفقر والتهميش. فمن دون إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين تتحول المشاركة السياسية إلي شعارات بلا مضمون، ويسهل تحول بؤر الفقر والفئات الاجتماعية المهمّشة إلي معامل لتفريخ التطرف والإرهاب وشيوع الجهل والخرافات. ولأن حدة الاستقطاب بين الأغنياء والفقراء اتسعت لدرجة خطيرة في السنوات الأخيرة، علي الصعيدين المحلي والإقليمي، في وقت تبدو فيه السياسات الرسمية عاجزة عن مواجهة هذا الخلل، فمن الضروري أن تتحرك مؤسسات المجتمع المدني، خاصة منظمات رجال الأعمال والجمعيات الخيرية، لسدّ العجز القائم، من خلال حلول مبتكرة كإنشاء صناديق الزكاة والتكافل الاجتماعي والمؤسسات التعاونية بأشكالها وصورها المختلفة. ومن الضروري والمفيد أن تولي هذه المؤسسات عناية خاصة لمعالجة مشكلات الفقر والجهل والمرض المنتشرة داخل الجماعات المهمشة بالذات، التي عادة ما تتحول إلي قنابل اجتماعية موقوتة، خصوصا في أو ساط الأقليات العرقية أو الدينية أو الطائفية، وأوساط الجماعات والمهن الضعيفة التي تحتاج إلي عناية أو رعاية خاصة، كالنساء والأطفال والأمهات والمرأة وكبار السن والشيوخ من الرجال والنساء وذوي العاهات والاحتياجات الخاصة.
بعدها الرابع: نشر منهج التفكير العقلاني وثقافة التسامح. فانتشار الأمية، والتي تكاد تصل إلي 50%، وشيوع الخرافات والتفكير غير العقلاني في الأقطار العربية لا يساعد علي ترسيخ مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان. ولا جدال في أن الوطن العربي بات في أمس الحاجة إلي ثورة تعليمية وإلي سياسات إعلامية جادة ورصينة للقضاء علي الأمية ونشر منهج التفكير العقلاني وثقافة التسامح وقبول الآخر المختلف، كي يستطيع ترسيخ مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان.
وإذ نؤكد في الختام قناعتنا التامة بأن ترسيخ مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان في الوطن العربي يتطلب جهوداً وخططاً دولية وإقليمية ومحلية تشارك فيها كافة الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني علي حد سواء، فأننا نؤمن في الوقت نفسه بأن مفتاح التغيير يبدأ بعملية إصلاح سياسي شامل في كافة الأقطار العربية جمعاء. فالإصلاح السياسي هو وحده الكفيل بتفجير طاقات المجتمع المدني اللازمة لنشر منهج التفكير العقلاني وثقافة التسامح، وللتصدي لكل المعوقات التي تعترض طريق إرساء مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان في وطننا العربي، بما فيها الأطماع الخارجية والاستبداد والفساد والفقر والتهميش.