لم أجد وصفا ينطبق على رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق ألان جرينسبان، أثناء وجوده في منطقة الخليج وتصريحاته ومواقفه الخاصة بالدولار الأميركي، سوى "الثوري المتقاعد". فالثوري المتقاعد – والمتقاعدون الثوريون قليلون- يحظى عادة باحترام أكبر عدد من المحيطين به، لكنه لا يتمتع بدعمهم. فهؤلاء يقومون بهز رؤوسهم إعجابا، لا هزها موافقة، وينتظرون حتى تنتهي المناسبة ليقوموا بتنفيذ مشروعاتهم ضمن ما هو متاح. وفي برنامج "صباح الأسواق" الذي تبثه قناة "سي إن بي سي" عربية، أضفت صفة أخرى على جرينسبان، خلال المناقشة حول العملة الأميركية -التي أصبحت قضية– وهي أن "المتقاعد الأميركي" كان خلال وجوده في المنطقة أشبه بوجود الممثل الكبير كلينت ايستوود الشهير في حفل من حفلات الأوسكار. فهو لم يكن ثوريا متقاعدا فحسب، بل كان نجما بكل معنى الكلمة، لدرجة أن دعوته لتعويم العملات الخليجية المرتبطة بالدولار، وردود فعل كبار المسؤولين الاقتصاديين الخليجيين على هذه الدعوة، طغت إعلاميا وبصورة لافتة، على كل القضايا التي طرحت في "منتدى جدة" و"ملتقى أبوظبي".
وبعيدا عن نجومية جرينسبان، فإن الرجل كان صريحا وجريئا بما يكفي، عندما دعا إلى تعويم العملات في منطقة الخليج، لكبح جماح التضخم، ولتقدير هذه العملات بقيمها الحقيقية. وهذا يعني ببساطة فك ارتباط هذه العملات بالدولار الأميركي، والاعتماد على عملة أخرى أو سلة من العملات. هذه الدعوة طرحت تساؤلا قديما – جديدا هو: هل كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق يستطيع أن يطلق مثل هذه التصريحات والمواقف عندما كان في منصبه الحساس؟. فالقاعدة أن معظم السياسيين – لاسيما في دول القرار العالمي – يتحولون إلى أبطال عندما يخرجون من مناصبهم. ومهما يكن من أمر فإن جرينسبان أثبت بأن ما ينطبق على السياسيين ينطبق على الاقتصاديين. فالذي يردده حاليا في القضايا الاقتصادية، لا يخرج عن "النطاق الثوري"، مستغلا – حتى اللحظة – الأضواء التي تحيط به أينما يحل، وحيثما يتوجه.
ولكي نكون أكثر صراحة، فالرجل يحصل الآن على أكثر مما يستحق من اهتمام، خصوصا عندما تحول من صانع قرار اقتصادي أميركي – عالمي، إلى منظر اقتصادي – لكي لا نقول محللا اقتصاديا - ليس بالضرورة الاتفاق معه. فالأدوات التي كان يرسم على أساسها السياسية الاقتصادية لم تعد متاحة أمامه . والذي يعزز هذه الحقيقة الخلاف الذي ظهر على السطح خلال "منتدى جدة" و"ملتقى أبوظبي"، بين "ايستوود الاقتصاد" وعدد من كبار المسؤولين الاقتصاديين الخليجيين في مقدمتهم : نائب محافظ النقد السعودي محمد الجاسر الذي قال: "إن السياسة النقدية للمملكة العربية السعودية ستستمر في التعامل مع ظروفها المحلية بدون تقويض مصداقية ارتباط الريال بالدولار. وتناغم هذا الكلام مع ما قاله حاكم مصرف الإمارات المركزي سلطان السويدي، في نفس" الملتقى" الذي شارك فيه جرينسبان حيث قال :" إن ربط العملة بالدولار صب في صالح الاقتصاديات الخليجية لأنه أدى إلى زيادة تدفقات رأس المال".
هذه الدعوة والخلاف حولها، كرست قضية أساسية وهي: أن المتقاعدين الكبار عادة ما يطرحون قضايا ليست واقعية، لأنهم بعيدون عن المحاسبة، كما هم بعيدون عن تحريك الأسواق أو التأثير فيها. فربما أراد الرجل إحداث فرقعة إعلامية لجلب مزيد من الأضواء الموجودة أصلا حوله. فهو يعلم أن الاقتصادات الخليجية لا تزال تعتمد على النفط في إطار الناتج الوطني لها –خصوصا في أكبر اقتصاديين عربيين السعودي والإماراتي- وهذه السلعة لاتزال تسعر بالدولار الأميركي. وهو يعلم أيضا أن الاقتصادات المشار إليها لم تدخل بعد مرحلة التنوع الكامل، على الرغم من الخطوات العملية في هذا الاتجاه، وبالتالي يحتم عليها الوضع التريث والتفكير والقيام بالمزيد من المراقبة الاقتصادية إقليميا ودوليا، قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة التي ستكون بلا شك "ثورية" بكل معنى الكلمة.
وهنا يمكن التفريق بين زخم وأهمية ما دعا إليه جرينسبان ، وقاله كل من الجاسر والسويدي. فالأول تحدث بصوت عال متحررا من قيود المسؤولية وتبعاتها، والرجلان تحدثا ضمن إطار المسؤولية التي تحتمها الحقائق على الأرض، لا الصحف ولا أضواء مصوري التلفزيونات.