تكاد محطة الأول من أيار أن تختصر في شريط متفرقات يختتم النشرة الإخبارية المتلفزة مساء هذا اليوم. ما عاد شريط المتفرّقات هذا يتبدّل كثيراً في الأعوام الأخيرة.
ستنتقل بنا العين المتلفزة إلى أعمال شغب مؤكدة في العاصمة الكورية الجنوبية، سيول. لن تقول لنا الكاميرا ما اذا كان المتظاهرون الغاضبون في سيول يطلقون كل هذه الشحنات لأجل الانضمام إلى النظام التوتاليتاري الجاثم فوق صدور عشرات الملايين من الكوريين الشماليين، والذي من فرط ما علّمهم أن «الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية» صارت «الاشتراكية العلمية أعلى مراحل المجاعة». متى تفسر الكاميرا للمشاهد العربي مسار شطري شبه الجزيرة الكورية، الشمالي والجنوبي، ليستقي هذا المشاهد العبر، ويدرك أي النظم السياسية والاقتصادية وأي التحالفات الدولية يبقى الأفضل، أو الأقل وطأة، وبالإذن من كل التصانيف المشهّرة بالإمبريالية وبحلف شمال الأطلسي.
ثم ستنحرف العين المتلفزة باتجاه القارة الأوروبية. لا نعرف أين يمّم «مناهضو العولمة» الشطر هذا العام، وأي الوجبات السريعة سيستهدفونها بقبسات من «عالمهم البديل» الذي يؤكّدون أنه لم يزل في قيد الإمكان، وأنه آت، آت، بلا ريب. كل ما نعرفه أنهم سيأتون بثياب تنكرية، وسيستخدمون كل «قضايا الشعوب العادلة» من أجل تنكرهم. وإذا كان الجيل الذي سبقهم يربط بين صراع الطبقات وصراع المستعمرات، فإن جيل «مناهضة العولمة» صار يربط بين «الأصالات» المتمرّدة على الإمبراطورية، والتي تخفي تحت وجهها الاستبدادي أو تحت وجهها الأصولي، جوهراً تحرّرياً جذرياً، وبين الحركات المؤيدة لحقوق المثليين الكاملة، ومن ضمنها حقّهم في التزوّج والتسرّي والتبنّي والتكافؤ في البرامج التربوية.
وقد تعود العين المتلفزة لتتفرّس في وجه موسكو. مجموعات من الشيوعيين الطاعنين في السن وهم يتجمّعون في الساحة الحمراء، حاملين صوراً لستالين، في الوقت نفسه الذي بات ينحصر نضالهم في استذكار واستقراء النسب المئوية التي نالها مرشحهم غينادي زيوغانوف منذ بداية التسعينيات وإلى اليوم، وفي معرفة اذا ما كان ميدفيديف سيقدم على ما ظلّ يلتسين وبوتين يؤجلان تحقيقه، أي وصية لينين القاضية بنقله من حيث هو محنّط في الكرملين، إلى مدفن بجوار أمه في سانت بطرسبرغ.
لن يكون في شريط المتفرقات ما يفاجئ. سيشغل شريط المتفرقات حول الأول من أيار حيّزه التقليدي في ختام النشرة الإخبارية، وفي الفقرة المخصصة عادة لأخبار الأمير هاري وسيسيليا وكارلا بونتي.
لن يكون في شريط المتفرقات ما يفاجئ. ولن يكون في احتفالات أول أيار المحلية ما يفاجئ.
في التسعينيات، يوم كنا ما نزال طلاباً، كان هذا اليوم محطة بديهية لخرق قرار الحكومات ووزارات الداخلية بمنع التظاهر. اليوم، صار الإضراب والتظاهر أكثر من مباحين. تظاهرة واحدة لا تزال مستمرة منذ أكثر من عام ونصف، وبلا متظاهرين. أيعقل؟
ليست الحاجة اليوم الى تظاهرة بمتظاهرين بعد أكثر من عام ونصف على التظاهرة ـ الاعتصام ـ المخيم ـ الجمود. الحاجة هي الى نقد الحاجة إلى كل سياسة «شعبوية» تتحصّن وراء المطلب الاجتماعي، ليس لأجل كف يد الكساد، وإنما لأجل الإبقاء على الشروط القسرية ـ الأمنية الحامية والراعية للكساد. الشباب اللبناني لا يريد «تحسيناً للأجور» قبل أن تكون له أجور. وكي تكون له بالفعل أجور، على الدورة الاقتصادية أن تُبعث.
تحت ستار «محاربة الفساد» تراهم يروّجون للكساد. كل هذا الى أن وصلنا الى معضلة مستعصية: معارضة تجهد لأجل التقليل من الاستثمارات، بداعي أن أغلب هذه الاستثمارات «غير وطني» أو «غير إنتاجي». لكنها معارضة تدعو في الوقت نفسه لزيادة نوعية للأجور، فمن أين؟ الجواب المحتمل في أي بلد ناشط حربياً: من مغانم الانتصارات العسكرية. في المقابل تجد موالاة تخاف عدم زيادة الأجور، لكنها تخاف كذلك التضخــم والصرف الكيفي من الخدمة.
أمام هذه المعضلة لا يجد الماركسي، اذا ما كان موجوداً، من استعصاء: لا يمكن الحديث عن الأجور، في أي ظرف كان، من دون مقاربة شاملة للأجور والأسعار والأرباح. ومن يسأل عن الأسعار والأرباح ينتقل فوراً في حال لبنان الى سؤال السياسة: هل للفراغ من آخر، هل للتعطيل من آخر، هل للفئوية الأمنية من آخر؟