اكتملت عناصر مضبطة الاتهام الأمريكية لسوريا. دعم الارهاب في العراق وفلسطين ولبنان. التدخل السياسي في شؤون تلك الدول، وعرقلة المشروع السياسي الأمريكي. العمل على اكتساب السلاح النووي بالتعاون مع كوريا الشمالية.
تحقق الولايات المتحدة الأمريكية عدة اهداف من وراء الاعلان على ان المنشأة السورية التي تم قصفها بواسطة الطيران “الإسرائيلي” في السادس من سبتمبر/أيلول الماضي هي منشأة نووية يجري تحضيرها بالتعاون مع كوريا الشمالية.
في المدى القريب تستخدم أمريكا هذه التهمة لممارسة ضغوط على سوريا من أجل إرباكها وتعطيل دورها في دعم حركات المقاومة وإجبارها على التحول الى موقع المدافع عن سياستها واختبار مدى تأثير ذلك في استعدادها لفك تحالفها مع إيران.
وضعت الولايات المتحدة اللبنة الأولى في سياق ترجمة هذه الضغوط بتحرك وكالة الطاقة الدولية ومطالبتها بالتفتيش لا سيما ان سوريا وقعت منذ العام 1970 معاهدة التحقق من انتشار أسلحة الدمار الشامل. بين التفتيش الذي يؤدي الى انكشاف سوريا أمنياً وبين رفضه وإحالة الملف إلى مجلس الأمن هناك خيارات صعبة على سوريا. قد تنتظر سوريا عقوبات دولية والمزيد من الحصار السياسي والاقتصادي وتعطيل كل جهودها السابقة لاختراق الحصار.
في المدى الأبعد يستخدم هذا الضغط لإبعاد سوريا عن التورط في أي حرب مقبلة تشنها “إسرائيل” على المقاومة في لبنان، أو تشنها أمريكا على إيران. على سوريا أن تحسب حساب هذه المضبطة الاتهامية الأمريكية وترتب مواقفها استناداً الى ذلك. فقد صارت مرشحة كما العراق سابقاً لأن تكون هدفاً لعمل عسكري بصفتها إحدى دول “محور الشر” أو “الدول المارقة”.
قلّل رد الفعل السوري من أهمية الاتهام وشرح عدم مصداقية أمريكا على هذا الصعيد. لقد ركز الرد السوري على الوظيفة السياسية لهذا الاتهام وربطه بضغوط تتعلق بالتفاوض بين أمريكا وكوريا الشمالية.
سوريا الآن توسع قنوات الحوار مع “إسرائيل” وتستجيب للعروض “الإسرائيلية” الواضحة بالتخلي عن الجولان. واضح ان سوريا تلعب على الوقت وعلى التعارض “الإسرائيلي” الأمريكي في النظرة الى العلاقة معها. “إسرائيل” هي الطرف الذي سيدفع ثمن المواجهة المقبلة وهي من يعرف تماماً نتائج هذه المواجهة كما جرى تصورها في المناورة الشاملة التي نظمتها.
إن الصواريخ من الجبهة الشمالية ستطال كامل الكيان الصهيوني وستترك آثاراً يصعب استيعابها على صعيد الأمن “الإسرائيلي” وعلى صعيد مستقبل دولة “إسرائيل” ازاء انتقال الحرب الى داخلها.
علينا أن نفكر بالاحتمال الأساسي لهذا التطور في الموقف الأمريكي من سوريا والتعامل معه جدياً. لقد أسس جورج دبليو بوش لملف خاص بسوريا أو ما يسمى بلغة القانون “ربط النزاع”. فهو أورث خليفته في الادارة المقبلة علاقة متوترة ومهمات عليه انجازها في معالجة الوضع السوري. لكن احتمال وقوع الحرب قبل نهاية ولاية الرئيس الأمريكي يبقى جدياً. قد تكون النظرة الأمريكية متجهة الآن الى استفراد سوريا بضربة عسكرية تكون نتيجتها الاولى عزلها عملياً عن إيران ووقف توسع النفوذ الإيراني وضمان أمن “إسرائيل” عن طريق الحرب الاستباقية.
في مثل هذا المشهد تعتقد الولايات المتحدة أنها أزاحت عقبة رئيسية عن جميع الساحات العربية التي تشكل حرجاً لسياستها، العراق وفلسطين ولبنان. هذا الاحتمال بات جدياً أكثر من ذي قبل. لقد عاد محمود عباس من الولايات المتحدة خالي الوفاض أو بخفي حنين كما يقال. وعد الدولتين في المنظور الأمريكي، هو نفسه الوعد “الإسرائيلي” وبالشروط “الإسرائيلية”. مجموعة كانتونات فلسطينية ذات حكم ذاتي. عدم تحقيق أي انجاز أمريكي الآن قد يدفع الى عمل عسكري رغم التحفظات “الإسرائيلية”. إن “إسرائيل” الآن عليها ان تثبت مصداقيتها تجاه الولايات المتحدة. حكومة اولمرت الضعيفة هي أداة هذا المشروع. ربما يفسر ذلك أيضاً عدم التقدم في معالجة مشكلات الساحات المأزومة.