ليس غريباً ان يكون ايهود اولمرت في عمان، ويسمع ما هو مطلوب ان يسمعه، لأن القلق الأردني، لا يقل تأثيراً وانفعالا عن القلق الفلسطيني الذي عبر عنه الرئيس محمود عباس علنا في اشارات ومفردات ذات دلالة تعكس الجو والمناخ الذي ساد مباحثاته في واشنطن وعودته خالي اليدين وفاقد الامل من تحقيق خطوات خريطة الطريق تؤدي الى تسوية واقعية مشرفة للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وتؤدي الى انهاء الاحتلال الاسرائيلي الذي وقع على الاراضي الفلسطينية يوم 5 حزيران 1967.
فالتسوية المطلوبة هي تلك التي توفر للفلسطينيين الحد الادنى المقبول والمتفق عليه من قبل كافة الاطراف الفلسطينية والعربية والدولية والمتمثلة اولا بالانسحاب الاسرائيلي من الضفة والقدس والقطاع، وثانيا حل مشكلة اللاجئين على أساس القرار الدولي 194.
سبب القلق الاردني المستند للقلق الفلسطيني ان الرئيس محمود عباس لم يجد لدى الرئيس الاميركي بوش القبول او الاستعداد للضغط على اسرائيل او على الاقل اعلان موقف اميركي يتضمن عاملين؛ أولهما تحديد ماهية وجغرافية الارض التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية وفق مشروع الدولتين والقائمة قانونيا وواقعيا في حدود 4 حزيران 1967 والانسحاب الاسرائيلي عنها. وثانيها وقف الاستيطان الاسرائيلي كاملا ونهائيا بما في ذلك في مدينة القدس الشرقية، وفي كلا الاتجاهين لم يجد ابومازن ما يدلل على وجود استعداد اميركي لممارسة الضغط او ممارسة النفوذ على اسرائيل لجعلها قابلة للتجاوب مع هذه الاستحقاقات الشرعية التي تتفق مع رؤية الرئيس بوش ومع قرارات الامم المتحدة بما فيها القرار 242 و1397 و1515.
وقد لمس ابو مازن لدى الاميركيين، بدلا من تفهم المطالب الواقعية والشرعية الفلسطينية، وجد بدلا من ذلك تفهما اميركيا للموقف الاسرائيلي القائم على عاملين؛ اولهما ان هناك وعداً اميركيا مكتوبا يتمثل بورقة الضمانات الاميركية التي اعطاها بوش لشارون يوم 14/4/2004، وثانيهما الخشية من سقوط حكومة اولمرت فيما لو أقدم اولمرت على التجاوب مع الحقوق والمطالب الفلسطينية.
بوضوح أكبر كما قال ابو مازن في جلساته الخاصة والمغلقة لمستمعيه ان عليه ان يدفع ثمن الوعد الاميركي لاسرائيل من حساب وحصة الحقوق الفلسطينية، وان عليه ان يعمل على حماية حكومة اولمرت والحفاظ عليها من رصيده وحقوق شعبه، وهو لا يستطيع ذلك ولا يملك رصيداً كافياً للمغامرة بفعل ذلك وتحقيقه، ومن هنا وصل ابومازن الى طريق مسدود اميركيا واسرائيليا وغدت خريطة الطريق ممزقة وعديمة الجدوى، وان ابومازن لا يجد طرفا يسعى الى مساعدته وتقديم استحقاقات تجعل من رهانه مقبولا وذا جدوى وتجعل منه صامداً ومرفوع الرأس امام شعبه المعذب والمصلوب على مذبح الاحتلال وعقوباته الجماعية المدمرة.
لدينا في عمان قلق وامتعاض جراء وصول ابومازن الى الطريق المسدود، لان الفشل لن يدفع ثمنه ابومازن وحده بل مجمل الامن والاستقرار في المنطقة وخيار السلام والتعايش لمصلحة المتطرفين في الجانبين.
شعور ابو مازن بالإحباط وعدم اليقين دفعه الى القول بعدم رغبته لترشيح نفسه للرئاسة الفلسطينية مرة اخرى بعد انتهاء ولايته يوم 8/1/2009 مع نهاية هذا العام الذي وعد بوش ان يكون عام الدولة الفلسطينية. ويبدو انه سيكون عام استكمال اسرائيل بناء الجدار العازل وانهاء ارتباط القدس فعليا وعمليا وواقعيا بالاراضي الفلسطينية عام1967، الامر الذي سيخلق وقائع استيطانية وديموغرافية جديدة تتطلب اعادة النظر بمجمل البرنامج الوطني الفلسطيني ليكون برنامجا جديدا يتناسب مع المعطيات المستجدة ويتعامل معها من موقع التصدي والتصادم.
لن يبدد القلق الاردني سوى وقف اجراءات اسرائيل التوسعية الاستيطانية والاستعمارية، وتجاوبها مع استحقاقات التسوية وخطواتها المتمثلة بخطوات خريطة الطريق وتنفيذ مراحلها.