هناك حدود للقوة العسكرية مهما بلغت من حجم وضراوة. هذا ما يؤكده عجز الجنرالات الأميركيين عن كسر شوكة المناهضين للاحتلال على اختلاف مشاربهم في العراق وأفغانستان. وجيش إسرائيل الذي يعد الأقوى في المنطقة لم يفلح حتى الآن في وقف صواريخ القسام أو إفشال هجمات المقاومين الفلسطينيين في غزة والضفة. وفي الصومال لم يستطع جيش إثيوبيا الأكثر عددا وعتادا أن يسحق ميليشيات المحاكم الإسلامية التي لملمت مناصريها وسيطرت مؤخرا على عدد من المدن والمقاطعات.
وبعد عدة سنوات من إطلاق يد جيوش حلف الأطلسي في أفغانستان لا تزال فلول حركة الطالبان تشكل تهديدا حقيقيا لنظام حامد كرازاي كما اتضح من محاولة الاغتيال الأخيرة في وسط العاصمة كابول. ورغم سيطرة الجيش الأميركي على بغداد فان قنابل الهاون تستمر في الهطول على المنطقة الخضراء ، والجيش العراقي عاجز حتى الآن عن إخضاع مدينة الصدر وأتباع جيش المهدي.
في مقابل ذلك فان الزج بالجيوش بأسلحتها الثقيلة في صراع على المدن والأحياء والمخيمات لم يأت إلا بنتيجة واحدة وهي قتل بالجملة للمدنيين العزل في منازلهم وبيوت عزائهم وخيم أفراحهم. ومن المروع حقا أن عساكر أميركا وحلف الأطلسي وإسرائيل يستخدمون طائرات حربية صممت لخوض حروب تقليدية وغير تقليدية ضد جيوش نظامية لاستهداف مقاتلين يحتمون في أحياء سكنية. ولا يكفي القول بأن هؤلاء يتحملون وحدهم سقوط ضحايا أبرياء أو أن المقاتلين يستخدمون المدنيين كدروع بشرية.
لقد كانت إسرائيل أول من كرس استخدام أسلحة حربية متطورة ضد مدنيين عزل في الضفة والقطاع بمباركة أميركية على الرغم من أن ذلك يشكل خرقا لاتفاقيات دولية. وشاهدنا كيف اقتحمت دبابات الميركافا مخيمات غزة وجالت في شوارع رام الله وداهمت جنين ونابلس وغيرها في مواجهات غير متكافئة. وبسكوت أميركا والعالم على جرائم إسرائيل صار من المقبول أن تقصف مروحيات الاباشي سيارات مدنية وتضرب مدافع الدبابات منازل آمنة ليس فقط في فلسطين وإنما في العراق وأفغانستان وغيرها من بؤر الصراع.
وفي الوقت الذي تنادي فيه أميركا ودول غربية بمعاقبة إيران لاستمرارها في تطوير برنامجها النووي لا نسمع اعتراضا على استخدام أسلحة تقليدية مدمرة وقنابل محظورة دوليا ضد مدنيين في العراق وأفغانستان وفلسطين.
ومع كل ذلك فقد فشلت القوة العسكرية الهائلة في إنهاء وجود حزب الله في لبنان أو حماس في غزة أو الطالبان في أفغانستان وحتى المحاكم الإسلامية في الصومال. لقد تميزت سنوات بوش بتغليب القوة العسكرية المدمرة على الحلول السياسية في التعامل مع قضايا النزاع المعقدة في شتى أرجاء العالم. كل ما حققته ماكينة العسكر هو حصد أرواح آلاف المدنيين الأبرياء مع بقاء الأزمات محتدمة والتحديات الإقليمية قائمة.
لقد فشل خيار القوة العسكرية في إنهاء الصراع في كل المناطق التي طبق فيها ، وحان الأوان للاعتراف بان اعتى الجيوش وأكثرها عتادا لا يستطيع إنهاء الطالبان أو محو حزب الله أو تفكيك حماس. ويظل العراق تحديا مفتوحا أمام أكبر قوة عسكرية في العالم بل انه يعد اليوم عقب أخيل الإمبراطورية الأميركية بحسب تحليل المعلق فريد زكريا.
على قادة الجيوش من السياسيين الاعتراف بأن القوة العمياء تخطئ أهدافها أكثر مما تصيب ، وان القوة العسكرية في غياب حل سياسي لن تحقق نصرا مؤزرا أو تنهي مهمة ، وان صراعات هذا القرن لا تكمن في مواجهات بين جيوش نظامية وإنما في التعامل مع تحديات إثنية وثقافية وطائفية تخفي وراءها مطامح سياسية ومطامع اقتصادية معقدة.