يكتب الأستاذ سلامة أحمد سلامة , بحس الوعي المقاوم للطمس والتزييف , ويبدو < عموده > جزيرة منفصلة تماماً عن توجهات صحيفة يكتب فيها , تستند إلى عراقة تاريخية تبدد في أصولها وثوابتها . ويتعجب المرء من كيفية مقاومة < سلامة > للطوفان بهذه الصلابة والحذق المهني ؟ . إذ يقول الكاتب كلمته ويمشي ويحظى بإحترام عميق ممن يعشقون مهنة الرأي , ويرون فيها الحارس للقيم والحرية وحقوق التعبير .
هذا الكاتب الصادق يرصد حالات التراجع والخلل الذي يسيطر على كل شئ , وإستطاع حرق التراث الطويل لجيل من الكٌتاب والصحافيين بل المناضلين عبر حلقات تاريخ مصر من قبل الثورة .
وعندما تقرأ الخارطة الحالية , تتعجب كيف ضاع كل هذا الإرث , وتبدد تأثير تيارات حافظت على القيم في أشد اللحظات ظلمة . وأذكر أن صحيفة < الأهرام > على وجه التحديد , تصدت للهجمة التي حاولت تفكيك أصولها بعد إنقلاب < السادات > وخصامه مع هيكل , بإسناد إدارة هذا الصرح لعلي أمين , وهو ينتمي لمدرسة صحافية تتناقد تماماً مع تاريخ هذه المؤسسة العريقة , وإضافات عصر هيكل إليها , الذي رسخ مهنية صارمة تحافظ على سلامة الخبر وتترك مساحة الرأي حرة بلا تدخل , إلا في حدود ضيقة للغاية , لذلك < أهرام > الأستاذ , جذبت قطاعات من أهل الرأي والفكر والفن , من أول لطفي الخولي ومحمد سيد أحمد , حتى حسين فوزي , نجيب محفوظ , لويس عوض وتوفيق الحكيم . وحرس < هيكل > تقاليد هذه المؤسسة وشكّل حماية لها , تدفع عنها غارات بعض الكارهين لمدرسة صحافية تحافظ على ثوابت المهنة وأصولها في أمانة كتابة الخبر والتأكيد من نقائه .
وقد حاول < علي أمين > هز كل شئ , حتى < ماكيت > وتبويب < الأهرام > , وإنقض على الصفحة الأولى الراسخة والرصينة بهدف تحويلها إلى < مراجيح > ساذجة وتطبيق نسخة مشوهة من صحافة < التابلويد > البريطانية . تصدى لمحاولات هذه المدرسة التي لها بعض تياراتها في الصحافة المصرية , أبناء < الأهرام > والروافد التي إنتمت إليها . وكانت وقفة , لا تعبر عن التضامن مع < هيكل > الذي خرج من المؤسسة وإنما حماية تقاليد مهنية لا تقبل < هلوسة > علي أمين وأخباره القصيرة الساذجة , وتطويع الصحيفة لتكون منشور حكومي متخلف , لا يعرف إدارة زمام مهنة تعتمد على تقنية وموقف ونُبل ورشاد في التعامل مع الأخبار . وحتى بشأن تطويع القضايا العامة لموقف سياسي , لابد من صوغه في إطار مهني حتى لا يلفظه القارئ ويسخر منه .
هذا الجيل الذي تصدى للدفاع عن المهنة , تواري ورحل , ولم يبق منه سوى سلامة أحمد سلامة , وصلاح الدين حافظ وفهمي هويدي , بينما التيار العام يفرط بسهولة شديدة ويتنازل ويخضع أمام ضغوط , تحول تقارير إلى < مسخرة > لا تستند إلى ثوابت المهنة عن المصداقية والإعتماد على مصادر تعطي الثقة للقارئ وهو يُطالع تفاصيل الخبر أو التحقيق .
وقد إعتبر < سلامة > في عمود أخير له , أن ما حدث في نقابة الصحافيين المصريين من منع لمؤتمر ضد التمييز , يُعد كارثة تكشف هشاشة أجيال جديدة , لم تتدرب على قبول الآخر ولم تستوعب تراث مصر الأصيل يدمج الكل في واحد , لا فرق بين هذا وذاك بسبب الدين أو العقيدة أو الإنتماء الفكري .
وأحال الكاتب بروز هذه الظاهرة إلى غش مناهج التعليم , لكن يمكن إضافة أيضاً غياب المناخ الديمقراطي الذي سمح بنمو التعصب وتعميق الكراهية ورفض الآخرين تحت رايات حجج واهية .
وقد إهتمت الأوساط الصحافية المصرية بتألق نجومها عبر تاريخها , سواء في العصر الليبرالي أو الآخر المقيد لها في عهد الثورة , لكن ما جرى من تطورات أخيرة في الصحافة الحكومية , يُعبر عن نكسة شديدة , إذ يتم نشر تقارير تحمل أسماء لصحافيين , بينما هي في الواقع نشرات أمنية صريحة توجه الإتهام وتحرض على فئات وتيارات سياسية , وتحول الصحافي إلى رجل أمن يوجه الإتهامات ويؤكد أدلة على مخالفات قانونية وإرهاب وتواطؤ ومؤامرات . ويتطلع صحافي له صلاته المعروفة بالأجهزة , التحدث بإسم الأمن , بينما هذا يتعارض مع أصول مهنته , كما أنه يتعدى في الوقت نفسه على إختصاصات أجهزة , هذا هو عملها . إذ فصل التخصص بين المخبر الأمني والصحافي وفرّق بين عملهما .
وتقبل صحيفة عريقة لها تاريخها الطويل , نشر إتهامات دون أدلة أو تحقيق متوازن يسمح لآراء مختلفة بالتعبير عن نفسها . ويتجاوز الصحافي موقعه من نقل الخبر أو كتابة التحقيق ليصبح هو المحقق والذي يوجه إتهامات في ظل غياب الدفاع أو القاضي الذي ينظر في تلك القضية التي يطرحها .
هذا التدهور الذي ينسف تقاليد مهنة راسخة , أصبح سمة عامة في صحف حكومية متورطة في تجاهل القواعد وتزايد في مواقفها , ليس في صالح المهنة والقارئ ومصداقية الخبر , وإنما لتبرير سياسات والدفاع عنها بمنطق شديد التزمت والتأييد للحكومة بشكل مطلق .
ولعل هذه الصفة المحزنة , التي تطارد مؤسسات عريقة , وراء إنتشار الصحافة المستقلة , التي أنقذت الضمير المهني من إنفلات خطر للغاية , وأكثر خطورة مما حدث في نقابة الصحافيين بمنع مؤتمر ضد التمييز , لأن من تصدوا لإنعقاد هذا التجمع تصرفوا بحماقة تدل على جهل وتخلف , أما من < يفبرك الأخبار وينشرها على أنها صحيحة , فهو ينصب على القارئ ويقدم له مادة فاسدة ومشوهة وغير صالحة للإستهلاك الآدمي , لأنها ملوثة بالأكاذيب وإتهام الأبرياء .
وأذكر أيضاً عندما حاول < السادات > تغيير هوية مؤسسة < روزاليوسف > وعين مرسي الشافعي بدلاً من عبد الرحمن الشرقاوي , فتحي غانم وصلاح حافظ , إذ تصدت أجيال من الصحافيين لهذا التغيير وقوامت تحويل مؤسسة عريقة حافظت على إستقلالها من الإنزلاق , حتى لا تتحول إلى منبر هش ينشر بيانات الحكومة . وعندما تولى < عادل حمودة > رئاسة تحرير روزاليوسف , أعادها إلى مجدها وإزدهارها القديم , وكان مخلصاً لأستاذه صلاح حافظ . ومنذ ترك هذا الصحافي اللامع لموقعه , غاصت < روزا > وأخواتها في بحر الضياع وفقدت هويتها التي لازمتها منذ تأسيسها على يد السيدة فاطمة اليوسف وبعد ذلك في ظل إحسان عبد القدوس .
إن رياح الطمس تطول كل شئ , والذي يجعلنا نتمسك بالأمل هو قراءة ما يكتبه سلامة أحمد سلامة , الذي ينتمي لجيل تربى على تقاليد المهنة ويراها الآن تنزلق أمامه وتبدد تاريخ طويل من المعارك والإنجازات والتضحيات الهائلة .