يتبارى مرشحون بريطانيون في معركة عمدة لندن وإنتخابات المحليات , بشرح برامجهم والتعهد للناخبين بالمزيد من الخدمات وتحسين المرافق والإلتزام بديمقراطية صريحة وشعبية , من أجل منفعة الرأي العام والنمو الإقتصادي والإستقرار , الذي يرسخه الإنفتاح والتنمية , وليس قبضة رجال الأمن وإجراءات الشرطة .
هذه المجتمعات الواعية بمصالحها تحقق إستقرارها عبر وسائل مختلفة غير ذراع الأمن وهراوة الشرطي , إذ تعلمت بأن النمو الإقتصادي والتطور الإجتماعي , يرتبطان بحقوق الأفراد وقدرتهم على الإبداع والإبتكار دون خوف أو رعب .
وكان من نتائج إستخدام وسائل القمع في تجارب تعادي النهج الديمقراطي والإجراءات الظالمة , تراجع الخلق الإبداعي بسبب الخوف من جانب وتدهور الأحوال المعيشية , والمسؤول عنها سلطات غاشمة لا تراعي الأمانة في أداء الحكم وتولي أمور السلطة .
إنتخابات عمدة لندن والحكومات المحلية , تعطي المثال على قوة الديمقراطية في تحريك الجدال السياسي والنشاط الفكري , حيث إنقسمت المعركة مثلاً بين عمدة لندن الحالي كين ليفينغستون , ومنافسه المحافظ بوريس جونسون . ويحاول كل مرشح جذب المزيد من سكان العاصمة لتأييده , وذلك بشرح برامجه والدفاع عنها وقبول الحوار حولها . وقد إستمعت لعشرات اللقاءات المفتوحة , حيث يواجه المرشحون إختبارات قاسية مع فحص دقيق لبرامج وطريقة تمويل الحملات الإنتخابية والوفاء بإلتزامات يتعهدون بها , خصوصاً لتحسين المواصلات العامة والخدمات لعاصمة كبرى مثل لندن .
تفجر المعركة عشرات الملفات عن التسامح الديني والتعدد في عاصمة تفتح أبوابها لأقليات وديانات وعقائد , تسهم كلها في تقديم صورة نابضة بالحيوية والخلاف المثمر , الذي ينجم عنه ثراء لوجود الآخر ومساهماته الثقافية والإبداعية .
ومواطنو لندن يشعرون بقيمة الحرية الحقيقية , فلا تعسف ولا تعنت , وإنما المدينة مفتوحة أمام الجميع , على الرغم من شرور الإرهاب , غير أنها لا تزال تحافظ على صفاتها الجميلة المشجعة للعقل على التفكير والتأمل وللوجدان أن يفتح مسامه أمام نسيم الإبداع الجميل , خصوصاً في مناطق تحتضن المسارح ودور السينما والمتاحف .
والحوار الدائر في بريطانيا , يُعبر عن مجتمع يهتم بمناقشة مواطنيه والتعامل معهم بجدية . ومن الأمور التي تطرح نفسها على العاصمة وجود أقليات وديانات . وهناك إنحياز لمجموعات إسلامية للعمدة الحالي كين ليفينغستون , وهو ينتمي إلى التيار اليساري لحزب العمال الحاكم , وقناعاته تحفزه على قبول الآخر والترحيب به , ودفعه للتفاعل والإندماج ورفض العزلة بكل أشكالها لأنها تعمق من حدة التطرف والتعصب .
كين ليفينغستون من أنصار التفاعل مع المسلمين , وإحترام عاداتهم , ودفعهم للإندماج بحياة سياسية وثقافية وإعتبارهم من مكونات المجتمع البريطاني المعاصر خصوصاً في لندن.
وقد أزاح < كين > فرصة لإقتراب مسلمين من بلدية لندن والدخول إليها والتفاعل مع مناسبات كثيرة . وفي الجبهة الأخرى , حيث يقف المرشح بوريس جونسون المحافظ , يستقطب بعض الإتجاهات العنصرية المدافعة عنه , وإن كان في الآونة الأخيرة رفض تأييد الحزب الوطني البريطاني له , وأعلن عدم وجود صلة ببرنامجه على الإطلاق , الذي يستند على بُعد عنصري وموقف يطرد الآخرين من الساحة اللندنية بهدف عزلهم , ويأتي على قائمة هؤلاء العنصريين التحريض ضد أعضاء الجالية الإسلامية .
إن هناك هجوماً على الإسلام من تيارات عنصرية تستغل التطرف والتعصب والعمى لدى البعض , لمحاولة عزل جالية كبيرة ومتنوعة تضم عشرات الأطياف والجذور الثقافية . وقد رفض العمدة الحالي , إتهام الإسلام بالتطرف , وقال أن الأعمال الإجرامية لا تنتسب إلا بمن يقوم بها فقط ويعتدي بذلك على القانون .
وقد تابعت الحياة البريطانية نضال < كين > السياسي خلال مرحلة طويلة . وهو دائماً يتمسك بأفكاره الإنسانية العميقة , ويكره العنصرية ويتعاطف مع شعوب مقهورة , تحارب للحصول على إستقلالها وتنبذ قيود الإحتلال .
عارض كين ليفينغستون من هذا الموقف , الحرب على العراق ولايزال يهاجم المتورطين فيها . ويقف عمدة لندن الحالي مع قناعات , حرضت ضده مجموعات عنصرية وأخرى صهيونية بسبب تعاطفه المطلق مع آلام الشعب الفلسطيني وعذاباته تحت سلطة إحتلال لا ترحم .
تعطي معركة لندن وإنتخابات المحليات , فرصة لتأمل المشهد السياسي البريطاني كله , حيث تقوم الحملات الإنتخابية على الإقناع والحوار , ولا توجد < بهرجة > وإستعراضات على الطريقة الأمريكية . لقد إعتمد البريطانيون على منهج ديمقراطي حقيقي , يسمح لمرشحين فقراء لا يملكون ثروة بالتقدم إلى الترشيح ودخول المعارك بالتوجه إلى الناخب مباشرة واللقاء معه أمام أبواب المنازل وفي الطرقات والأسواق والميادين العامة .
ويتوجه الناخبون إلى صناديق الإقتراع وهم يعرفون برامج كل مرشح وسياساته ومواقفه . وهم يصوتون لصالح الأقدر على خدمة مصالحهم والتعامل معها . وسيكون إنتخاب عمدة لندن هذه المرة , مرهوناً بعشرات القضايا , منها الموقف من الأقليات وقضية التعدد الثقافي والتنوع الديني في البلاد , والتصدي لعنصرية فاسدة تسعى لبث القلق والفرقة ونشر الجدار العازل بين مواطنين يساوي بينهم القانون .
وكل شئ في بريطانيا بالإنتخاب , لذلك يحكم الشعب نفسه بدون مبالغة ,حيث ولاء المرشح دائماً للرأي العام , الذي يملك وضعه في مقعده البرلماني أو على رأس الحكومة العامة أو المحلية , أو إزاحته من هذه المناصب عند أقرب إنتخابات .
هذه الحقائق الواضحة تجعل دولاب السياسة كله داخل أروقة الحكم يعمل لصالح الرأي العام , فالهدف هو المواطن , وليس إرضاء الحاكم أو تبجيله أو الثناء على قدراته العقلية الفذة , بينما أحوال الأمة تنحدر من السئ إلى الأسوأ .
يعطي الحل البريطاني صيغة حيوية لدفع خلايا المجتمع دائماً إلى الأمام , أما في نطاق الدول التي تعانق التخلف , فهي تعيش داخل دائرة متواصلة من الرياء والكذب والنفاق , تدفع ثمنها الشعوب , نتيجة تدهور الخدمات وإفلاس التنمية بسبب غياب الحريات .
تأمل معركة عمدة لندن وإنتخابات المحليات في بريطانيا , يثير الأسى على أحوالنا التعيسة وتربع سلطات تحكمنا بالحديد والنار , وتتجاهل ضغوط العصر التي تفرض نهاية للإستبداد بكل أشكاله , وفتح طريق الديمقراطية حتى تتنفس الشعوب وتكون لديها القدرة على البناء وتحسين حياتها وإبتكار عشرات الأفكار , بل المئات لدفع مسيرتها إلى الأمام وليس إلى الخلف كما يحدث الآن .