من قال إن جيل اليوم هو الجيل الذي سينقذ لبنان من خرابه؟ ومن جزم بأن طلاب اليوم هم السند الامين الذين سينتشلون لبنان من ركام التجاذبات السياسية التي تقذف به يمينًا وشمالاُ. يفوز هذا الفريق، فيتفجّر الاخر غضبًا، فيبدأ الصراع بكلمة لينتهي الطالب على سرير إحدى المستشفيات. هذه هي حالة الطلاب في الجامعات، وبالاخص في الجامعات اللبنانية، حيث تنطلق شرارة الانتخابات لتطال مختلف الطلاب، فمن يفترض بهم أن يكونوا أمل لبنان الوحيد، تراهم يتخبطون بين بعضهم.
هذه الانتخابات الطلابية هذا العام خرجت كليًا عن إطارها الطلابي، وباتت عرضًا لتمثيل هذا الفريق على الارض، وأصبحت وسيلة لقياس شعبية وجماهيرية التيارات السياسية في أوساط الشباب، ومحاولة لإبراز تفوق فريق سياسي على فريق آخر. وكانت دائمًا الجامعات اللبنانية عرضة لعرض السواعد تلك، رغم هذا الجو المشجحون وسط تصريحات هذا الزعيم وذاك، إلا أن بعض المؤسسات الجامعية الخاصة عمدت إلى تأجيل موعد الانتخابات الطلابية حرصًا على سلامة طلابها.
ومع كل إطلالة لرجال السياسة، والقادة العظماء، خصوصًا هؤلاء الذين يفجرون مواهبهم الاخلاقية على شاشات التلفزيون، خلال مؤتمر أو مقابلة أو تعليق ما، يزيد الطين بلّة. فمع سماع هذه اللغة التي وصل إليها الشارع اللبناني مؤخرًا، ما عادت هناك من خطوط حمراء، وإذا كان كبار رجال السياسة والفكهاء السياسيون، يدّعون الحرص على وطنهم فيتصرّفون بهذه الطريقة، ويتكلّمون بهذا الاسلوب، فكيف لنا ألا نشاهد ونتألم للقتال الذي يحصل على الارض، لا سيمّا بين ساحات الجامعات، فترى فريقًا من 14 آذار يستقل بأصدقائه، وإن وجد آخر من جماعة 8 آذار لوقفنا نستمع إلى الشتائم التي تطلق من هنا ومن هناك، والوضع سيان مع من 8 آذار، فإن وجدت عنصرًا من 14 آذار لشاهدت الصورة نفسها، ولكن بأدوار مختلفة. وهنا المضحك في الامر، أنك حينما تتجول في باحات الجامعات، وترى هدوءًا يلف زاوية معينة، لعرفت أن في هذه الزاوية جماعة من الفريق نفسه، دون وجود عنصر دخيل.
وانطلاقًا مما سبق، سوف نعرض ما يبرزه الفريقان على مستوى الجامعات والمقاعد التي حصل عليها كل حزب لا سيما في الجامعات اللبنانية الفروع الثانية، نظرًا للإنقسام المسيحي الواضح الذي يتخبّط به لبنان، والتي لا يزال بعضهم لا يرى هذا الانقسام، ولا يزال يعترف بوحدة الأصوات كلها لإجله. وهنا الارقام تختلف بين مصدر وآخر، فموقع التيار الوطني الحر، عرض دراسة تبرز بالوقائع والأرقام من فاز بالأكثرية الساحقة في إنتخابات الفروع الثانية في الجامعة اللبنانية، وذلك بالطبع حسب تحليله، تم التوصل إلى تلك الارقام:
أما في كلية الهندسة – روميه كانت الارقام وفق ما يلي، وذلك طبعًا حسب الدراسة التي أعدها طلاب التيار الوطني الحر:
أما طلاب القوات اللبنانية، فأقاموا مؤتمرًا صحافيًا، عرضوا فيه مختلف ما تعرضوا له، إن كان من إصابات، خاصة بعد الحادثة التي حصلت في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الفرع الثاني- جل الديب، وخلال المؤتمر تمت تهنئة الطلاب بفوز القوات اللبنانية وحلفائها في الانتخابات، في أكثريّة الفروع الثانية من الجامعة اللبنانيّة والتي جاءت على الشكل التالي:
- إدارة الأعمال - الأشرفية:20-0
- كلية الإعلام - الفنار: 13-0
- كليّة التربية - الروضة: 16-0 بعد أن كانت بيد العونييّن
- كليّة الحقوق - جلّ الديب: 26-9
- كليّة الصحة - الفنار: 16-10 بعد أن كانت في السنة الماضية بيد العونيين.
- كليّة العلوم الاجتماعيّة - الرابية: 6-5 بعد أن كانت مناصفة في السنة السابقة.
وتعادل بكليّة الهندسة بنتيجة 10-10
وخسارة في كليّات العلوم والآداب والفنون حيث أحرزت القوّات النسب التالية:
- نسبة 46.8 % من الأصوات في كلّيّة العلوم
- 30% في كلّيّة الآداب
- أما في كلية الفنون وعلى الرغم من الخسارة، حصلت القوات اللبنانية على 50.19% من الأصوات، أي 256 صوتًا للقوات مقابل 233 لقوى 8 آذار لكننا لم نتمكن من الفوز بسبب قانون الانتخابات في الكلية.
ولم يتوقف طلاب القوات اللبنانية، عند عرض النتائج فقط، بل قاموا بتسمية كل من حاول تزوير الانتخابات، والاحتيال ببطاقة لا وجود لها أصلا في الكلية، وتحدثوا بالتفصيل عن المشاكل التي حدثت وسبب حدوثها، لا سيما الحادثة التي وقعت في كلية الحقوق والعلوم السياسية، حين فقد بعض الطلاب المنتمين إلى الفريق الـ 8 من آذار أعصابهم، إذ لجأ هؤلاء إلى الاعتداء على كل من وقعت عليه أنظارهم من طلاب اَخرين وجمهور، وتحطيم كل ما طالته أيديهم وتمزيق شعارات الطلاب الفائزين! والذي تسبب بدخول 6 طلاب إلى المستشفى وكذلك تم توقيف 3 شباب.
والوضع لم يختلف كثيرًا في الجامعات الاخرى، والجدير بالذكر، أن الجامعات اللبنانية في فروعها الثانية هي ذات غالبية مسيحية، إن لم نقل معظمها، والامر اللافت هنا، هي عودة الصراع المسيحي- المسيحي على الساحة اللبنانية. فبات الطلاب اليوم يتكلمون بألسنة زعمائهم، ويرددون مواقفهم ونظرياتهم، حتى أنهم يتكلمون في تواريخ لم يكونوا أصلا موجودين فيها ليعطوا رأيهم، أو يدافعوا عن زعيمهم. فهل يتعرض الشارع المسيحي، لما تعرض له الشارع المسلم يوم 25 يناير/ كانون الثاني، حيث سبق هذه الحادثة تشنجًا استمر على حاله، فيما كان الاحتقان يتزايد، الى أن انفجرت المواجهة في 25 يناير/ كانون الثاني الماضي في ساحة جامعة بيروت العربية، حيث ظهر الطلاب بمظهر المحاربين لا الباحثين عن العلم والثقافة، فحبست الانفاس، وقام كل من قادة 14 آذار و8 آذار بمحاولة ضبط الشارع، وظهر القناسون على أسطح أبينة بيروت، إلا أن انتهت الأمور بمنع التجول في تلك الليلة، قبل أن يتطوّر الامر إلى حرب أهلية. والشارع المسيحي اليوم ليس بالبعيد عن تلك الحالة، إن أكمل زعماؤه بتعبئة الأحقاد، على الرغم من أن الفريقين يحرصان ويؤكدان على عدم القبول بحصول حرب أهلية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل هكذا نتفادى حصول حرب أهلية، وسط تدخل كل من يدعي "الحب للبنان"؟؟
يقول بيار ديب، أحد الطلاب المنتمين إلى الفريق المعارض- التيار الوطني الحر، إن الامور لا تبدو بأحسن حللها، فأشعر أننا كمسيحيين ما عدنا نتقبل بعضنا إن إختلفت ألواننا السياسية، أشعر بأننا وسط نار مليئة بشر الحقد، حينما أتواجد مع أصدقاء لي يفترض أن "يكونوا أصدقائي"، وأنا أعرف أن الجنرال يعرف تمامًا ما الذي يقوم به، وما الذي يلمّح إليه، خاصة عندما يحاول أن يفتح أبواب الماضي، لأنه يريد أن يدافع عن حقنا، خاصة نحن كمسيحيين، لا سيما أن تيارنا معروف بأخلاقيته ونزاهته منذ أيام انطلاقته، ولكن اليوم أصبحنا في الجامعات نتهم بأننا حلفاء لسوريا بعد أن كنا من دافعنا عن استقلالية لبنان، وكنا من يضرب ويسجن؟ هل نسي الفريق الاخر ما عانيناه؟ في الجامعة، أحاول جاهدًا ألا أدخل في مواضيع سياسية مع أناس ليسوا من ميولي السياسية لأتفادى قدر الامكان الاحتكاك معهم، لا سيما أن الاجواء باتت اليوم مشحونة. حتى أننا أصبحنا في عصر، يتكلم رجال الدين بالسياسة، أما عادت هناك من حدود في هذا البلد؟ لا أدري حقا في أي مجرى نسير، ولا أدري إلى أين سنصل، لكن كل ما أدركه أن الحالة أصبحت لا تطاق، لا سيّما إن كنت تعيش في مجتمع مختلط، وأنا أقصد بذلك في الجامعة، حيث لا يمكن أن تجد دائمًا أناسًا من فكرك ولونك السياسي.
طوني طوق، وهو من طلاب القوات اللبنانية، أي من الفريق الموالي للحكومة، فهو يشعر بأن هناك سوءًا يحضّر ودمعة تحضّر لتحرق قلب الشارع المسيحي، لا سيما بالمشاركة مع من هم من ضمن الخط المسيحي، ليخرق هذا القصر العظيم، الذي جهد المسيحيون في بنائه منذ ولادة لبنان، لكن يؤكد أن بوجود الاناس الطيّبين الذين يحرصون على قداسة أرض لبنان، لن يتحقق هذا الكابوس، الذي يشكل في الوقت نفسه حلمًا يفتخر به الفرقاء الآخرون. ويضيف طوني قائلاً: ما دمتم تتكلمون عن الانتخابات الطلابية في شارعنا المسيحي، فهل تتخيلون شابًا مسيحيًا يسبّ البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، أهذا ما وصلت إليه أخلاقيتنا المسيحية التي جهد الأجداد في لبنان ليورثنا إياها، أهكذا نكافئ بطريركًا يحاول قدر الامكان أن يضبط الشارع المسيحي؟ يقولون إن القوات اللبنانية، ما زالت تتمتّع بالعقلية التي عرفت بها أيام الحرب اللبنانية، ولكن لماذا لا يتفهون أن تلك الايام قد ولت، وأن هذا التفكير ما عاد واردًا اليوم، لا سيّما أنه ما عدنا بحاجة إلى السلاح، كانت أيام حرب آنذاك، ولكن اليوم لسنا ميليشيا أبدًا... كل ما يحصل في باحات جامعاتنا مخطط له، الشباب في 8 آذار غالبًا ما يحاولون إستفزازنا، ولكننا لسنا ملائكة بالطبع، والمشكلة أننا نحاول دائمًا أن نضبط كل ما نتعرّض له، ويقولون أننا ميشليشا؟
جوزيف شلهوب، وهو طالب متسقل، لا ينتمي إلى أي حزب، ولكنه يشاهد بلوعة وأسى ما يحصل في الشارع المسيحي، بين صفوف طلابه، ويقول: تخيل! لا يمكنك أبدًا أن ترى إثنين من تيارين مختلفين يتكلمان في السياسة دون أن تسمع لائحة مليئة بالسب، حتى أنهم يتعرضون للدين؟ ولكن إلى أين نسير، في أي إتجاه نحن ذاهبون؟ أهكذا يفترض بنا أن نكون طلاب جامعات؟ أهذا ما يجب أن نبني الوطن عليه؟. أحزن كثيرًا عندما أرى هذه النفسية الحقودة التي تملأ قلوب رفاقي، أحاول دائمًا أن أطري الاجواء ولكن غالبًا ما ألقب بعديم الفهم، نظرًا لأنني لست منتميًا إلى هذا الحزب أو ذاك، ولماذا يجب أن أنتمي إلى الاحزاب التي باتت اليوم تحطّم اليوم صورة لبنان؟ الله يحمي لبنان، ويهدي شبابنا...
هكذا ننهي موضوعنا، بدعاء لشاب مستقل، لم ينتمِ يومًا إلى حزب سياسي، الله يحمي لبنان، ويهدي شباب لبنان، الذي وحسب تفكيرهم، سوف يكونون أمل الغد أم خرابه...