زائر الأردن و المتابع لأخباره عن بُعد، من لندن أو من طوكيو وصولا الى واشنطن لا يسمع ولا يلمس إلا ما يسر العدو ويضير الصديق، فكيف بالذين قلوبهم على الوطن ويمسكون به كالقابضين على الجمر،، وأول ما يفاجئ الزائر هو هذا الرعب المثير في قلوب الناس من كلام عن وطن صار "طائراً" بين تصريح رسمي هنا ونفي رسمي هناك وتأكيد من مسؤول كبير في الطرف الآخر من اللعبة،، وتناقض أحاديث المسؤولين الكبار يزيد الهلع أكثر ؟! ولا يرف للحكومة جفن ولا ترتعد لها فرائص حيث غابت الشفافية وطمست معالمها بفعل فاعل ورا ستار،، وكثيرون هم من يعملون كـ "الخفافيش" في الأردن من وراء ستار ،، ولا أحد يعرف الحقيقي للقرار وبالكاد يفهم أحد على الساحة الأردنية ما يجري ولصالح من؟؟ وكيف؟؟.
لكن هناك ما يبشر،، فالأردنيون بدأوا ملامح الوحدة في رأيهم العام رغم عدم اتفاقهم حول كثير من القضايا الساخنة، فهم يحتشدون صفاً واحدا الآن ضد قرار مجلس الوزراء المفاجىء "حيث المفاجآت كثيرة" في إلغاء مهرجان جرش واستبداله بمهرجان الأردن،، وهم يعتقدون أن الغاء المهرجان يعتبر شطبا لجزء مهم من التاريخ الأردني،، وبالطبع هذا الجزء ليس مهرجان جرش بذاته وإنما المعاني المهمة ورا ذلك، حيث كان الأردن حين تم تدشين المهرجان ينعم بالتفاهم والالتفاف حول قرار واحد من مصدر قرار أعلى واحد وبوضوح، وكانت الملكة نور الحسين رائدة المهرجان الذي ظلت تشعل شمعته كل عام لربع قرن مضيء، حتى جاء من يطفىء تلك الشمعة مرة واحدة وإلى الأبد. مع جملة قرارات تطفىء في قلوب الناس الأمل بمستقبل واعد الطموحات وسط محيط هائج من التحديات.
مروان القاسم وعمان الطائرة
في يوم ما، في نهاية ثمانينيات القرن الفائت زرت الأردن في الطريق إلى بغداد حيث كانت تستعد للقمة العربية وهي آخر قمة شهدتها بغداد، ووقتها التقيت رئيس الديوان الملكي الهاشمي الأسبق ووزير الخارجية حينها مروان القاسم الذي بادرني بالسؤال: كيف رأيت عمان بعد طول غياب؟ قلت "يا أبا الليث عمان تبدو لي عاصمة طائرة!". عبارة قلتها وسجلها الوزير الذي لم يتلكأ بالاتصال بالقصر الملكي حيث تكلم مع الملك الراحل الحسين بن طلال وابلغه "العبارة غير منقوصة"، ثم ابتسم القاسم، وهذا يعني بالتأكيد أن الملك الراحل ابتسم لسماعه "التعبير الجديد منقولا عن صحافي يدين لوطنه ولمليكه الولاء بلا منازع".
التعبير ذاته، لم يعد يشمل العاصمة عمان، فهذا طاهر العدوان الكاتب المعروف الذي اغترب طويلا ثم عاد يستخدم التعبير على نطاق أوسع يشمل كل الأردن، فهو يقول في مقال له في (العرب اليوم) التي يراس تحريرها الآتي: الولائم المزدهرة هي صالونات (طيارة) على وزن حواجز طيارة وحتى جاهات الاعراس وبيوت العزاء مناسبات تبدأ بالكلام بما يسمى (معلومات متداولة) او اشاعات منتشرة. وهذه حالة تُذّكر الجميع بغياب اركان الديمقراطية المؤسسية, التي تسمح بالمشاركة في القرارات والمساءلة في الاداء العام, والشفافية في قرارات وسلوك الحكومات.
كلام العدوان الذي يشاركه فيه كثيرون على الساحة الأرنية جاء في إطار مقاله عن غياب المكاشفة والشفافية، فهو يقول "المشاركة معدومة, المساءلة ضعيفة, الشفافية غائبة, والحصاد بالطبع رأي عام اختلط عليه الصحيح بالخطأ, الحقيقة بالاشاعة. وهو ما يجعلنا نعود الى المربع الاول, بالمطالبة في النهوض بأركان الديمقراطية من خلال قانون انتخابات عصري ينتج برلماناً فيه معارضة, وبالتالي مساءلة ومشاركة قانون احزاب يهدف الى بناء التعددية لا اقصاءها, فهذه ألف باء الاصلاح السياسي".
وإذ ذاك، لا يوجد كلام على الساحة الأردنية "وكنت أتمنى أن لا يعدو عن شائعة أو زوبعة في فنجان تمر وينساها الناس كما كان يحصل في الماضي" غير الكلام عن "بيع الأردن وتحويله إلى شركة بمساهمين استثماريين غير معروفي الهوية"، والكلام يتكاثر عن بيع أراض أميرية ومباني مؤسسات قائمة منها عسكرية وأخرى مدنية ومطارات وشواطىء وإلخ .. إلخ".
حكومة الذهبي .. نفي وتصديق؟
وبالمقابل، فإن حكومة نادر الذهبي التي لم يمض على تشكيلها أكثر من نصف عام غير قادرة عبر تصريحات وزرائها تبرير ما يقال او رفضه أو نفيه ؟؟ فبينما ينفي الناطق الرمسي وزير الاتصال والإعلام ناصر جودة ما يقال عن بيع أراض حكومية ومباني مؤسسات ، يخرج وزير العمل باسم السالم بصفته رئيس مجلس إدارة الضمان الاجتماعي ليؤكد هذه المسألة معطيا تبريرات غير مقنعة للناس خاصة حين قال: سنشكل شركة في مؤسسة الضمان الاجتماعي للقيام بعملية الشراء لبيع تلك الأراضي وتلك المباني"؟.
وواضح أن الكلام هذا غير مقنع للناس المرعوبين على الدوام من "عدم صدقية الحكومات المتعاقبة" حيث لم يجد الناس رئيس حكومة شجاعا يقول لهم علنا: لا استطيع القيام بالمهمات التي جاءت في كتاب التكليف الملكي لي حين أوليت لي المهمة، وها أنا أقدم استقالتي،، بل بالعكس يظل الرئيس ووزراؤه يعاندون بالفشل المتلاحق أملا باستقالة مشرفة لتحميل المسؤولية لمن يأتي من الحكومات أو هكذا ليبدا الرئيس الجديد بإلقاء اللوم على سلفه وهكذا دواليك تحت شعارات "مبدأ الحكم في الأردن يستند على الاستمرارية والثبات" ؟!.
مهرجان جرش
وحيث الحديث عن "بيع الوطن الأردني وتحويلة لشركة مساهمة استثمارية أو منطقة حرة" أو الشائعات حول ذلك، تنادى أهل الثقافة حاشدين أنفسهم لمواجهة قرار حكومة نادر الذهبي بإلغاء مهرجان جرش الذي يعتبرونه من أهم المعالم الفنية والثقافية في مسيرة الأردن الحضارية.
ففي مؤتمر صحفي مشترك اعتبر عدد من المثقفين والفنانين الأردنيين أمس في مؤتمر صحفي مشترك بين رابطة الكتاب الأردنيين ونقابة الفنانيين الأردنيين عقد في مقر الرابطة ، قرار الحكومة الاردنية "شطب لجزء من الهوية الوطنية"، وأشار رئيس رابطة الكتاب الأردنيين في بداية حديثه إلى المصالح المشتركة بين الرابطة ونقابة الفنانين الأردنيين، مؤكدا أن قرار إلغاء مهرجان جرش جاء مفاجأة مؤسفة بالنسبة لنا ولزملائنا الفنانيين الأردنيين ولمجمل المثقفين الأردنيين والعرب بشكل عام.
وأضاف سعود قبيلات لقد أثار هذا القرار استغرابنا واستهجاننا الشديدين خاصة وان هذا القرار يحمل في طياته انعكاسات خطيرة على الشأن الثقافي ودون أن يستشار أصحاب الشأن في ذلك، مؤكدا أن فعاليات مهرجان جرش طوال سني عمره الثلاثين قامت على أكتاف الكتاب والفنانيين الأردنيين والعرب لذلك فانه من ابسط مقتضيات المنطق أن تتم استشارة هؤلاء بشان أي قرار مهم يتعلق بالمهرجان، إلا انه وكما يبدو للجميع اتخذ قرار الإعدام لهذا المهرجان الذائع الصيت بخفة لافتة واستخفاف غريب وبلا أدنى شعور بالمسؤولية ولا نعرف ما هو الهدف أو الدافع من وراء ذلك. وأضاف قبيلات أننا لاننكر حجم الأخطاء التي تراكمت مع انتقال الإدارات وخاصة بعد ان نقلت إدارته من يد المؤسسة العلمية التربوية التي أسسته.
كلام شاهر الحديد
واستغرب نقيب الفنانيين الأردنيين المخرج شاهر الحديد بشده اتخاذ مثل هذا القرار حيث أشار الى الاستفتاء العربي الذي ظهر من خلال الكم الهائل من الاستفسارات والرسائل المستغربة هذا القرار بحق ابو المهرجانات العربية ، مشيرا الى الجهود التي بذلت من الفنانيين والمثقفين لبناء هذا المعلم الثقافي العالمي. وانتقد نقيب الفنانيين هذا القرار الذي اتخذ في غياب أصحاب الشأن داعيا كافة الفنانيين والمثقفين الى اتخاذ قرار حازم في مواجهة هذا القرار، وحمل إدارات المهرجان المتعاقبة كافة الأخطاء والثغرات التي أوصلت المهرجان الى هذه الحالة المتردية.
بيان الفنانيين والكتاب
ثم تلا نقيب الفنانيين البيان الصادر عن نقابة الفنانيين الأردنيين ورابطة الكتاب الأردنيين، حول إلغاء مهرجان جرش للثقافة والفنون والذي جاء فيه.. تلقت الأوساط الثقافية والفنية الاردنية خبر إلغاء مهرجان جرش للثقافة والفنون باستياء بالغ نظرا للدور الكبير الذي يلعبه المهرجان طيلة أكثر من ربع قرن في خدمة الثقافة والفن العربيين وما إتاحة للشعب الأردني من فرصة الاطلال على ما ينتج في العالم العربي والعالم اجمع من فنون وثقافات، لقد كان جرش نافذة حقيقية أطل منها الأردنيون على العالم وساهم المثقفون والفنانون الأردنيون بشغف نادر لجعل هذا المهرجان واحدا من أكثر المهرجانات العربية رفعة، ورفعه الى تخوم العالمية. لقد كان لنا انتقادات كبيرة على إدارات المهرجان المتعاقبة لغايات رفع مستوى المهرجان، اما ان يبلغ الأمر ان يتخذ قرارا بإيقافه فهذا ما لا يرضى به أي أردني مثقف كان ام غير مثقف. ان مثقفي الاردن وفنانيه بكل تخصصاتهم وشرائحهم يطالبون بالتراجع عن هذا القرار مثلما يطالبون بتثبيت دور الثقافة والمثقفين في عقل الدولة الاردنية ووجدانها وعدم تجاوزهم .
مقال الخيطان والأوطان
وفي تعليق له على الغاء مهرجان جرش يكتب فهد الخيطان مقالا يقول فيه: الاسبوع الماضي صدر قرار حكومي بالغاء مهرجان جرش للثقافة والفنون واستبداله بمهرجان جديد يحمل اسم "مهرجان الاردن". القرار لا يختلف في اسلوب اعلانه عن قرارات واجراءات اخرى كثيرة تصدر بشكل مفاجئ, ومن دون تشاور مع المعنيين وبغياب كامل للشفافية والمكاشفة المطلوبة لتبريره.
منذ سنوات يتعرض مهرجان جرش لهجوم وانتقادات واسعة وبعض هذه الانتقادات صحيح وفي مكانه, فمؤسسة المهرجان ترهلت وباتت تدار بطريقة مزاجية وشخصية وفي بعض دوراته انحرف المهرجان عن الاهداف التي تأسس من اجلها وتحول الى مسرح لغناء هابط ورضخ القائمون عليه لمبدأ "الجمهور عايز كده" فبدأ يستضيف فنانين عرباً من الدرجة الرابعة بحثا عن الشعبية وتراجعت حصة الفنون والثقافة الرفيعة لحساب الفن الرخيص في محاولة لمنافسة مهرجانات خليجية ينفق عليها شيوخ النفط بلا حساب.
والى جانب كل هذه المعطيات الذاتية انتهجت جهات رسمية اخرى سياسة منظمة لاضعاف المهرجان وصولاً الى الغائه وهو ما حصل مؤخراً لحساب فعاليات اخرى بدأت بالتكاثر في عمان. كان مهرجان جرش يعاني فعلا من ظروف صعبة ويحتاج الى خطة لاعادة تأهيله لممارسة دوره المشهود لكن الحكومة وبدلا من ذلك قررت قتل المهرجان وشطب اسمه وتاريخه بجرة قلم.
سيرد المسؤولون على هذا بالقول ان مهرجان جرش استبدل بمهرجان اخر يحمل اسم الاردن. أعتقد ان في ذلك مزاودة وطنية لاسكات المعترضين على الغاء المهرجان. ,
ويتساءل فهد الخيطان: اليست جرش التي يحمل المهرجان اسمها منذ ان تأسس جزءاً تاريخياً من الاردن ومدينة اثرية تتصدر خارطة السياحة الاردنية وهي التي اعطت للمهرجان عند تأسيسه سمعة عربية ودولية?!
ويختم قائلا: الاوطان ليست مجرد اسماء صماء انها حاصل جمع الرموز الحضارية والتاريخية وفي كل الدول العربية والعالم ايضاً تحمل المهرجانات الفنية والثقافية اسماء مدن تاريخية مهمة مثل قرطاج وبعلبك والقاهرة. لقد تعطل مهرجان بعلبك سنوات طوال في لبنان بسبب الصراعات الداخلية ولم يفكر احد بالغائه وانما احياؤه فور تحسن الظروف الامنية. رغم كل الانتقادات والسلبيات على مهرجان جرش في دوراته الاخيرة الا انه احتل مكانة مرموقة على خارطة المهرجانات العربية والدولية وعكس صورة مشرقة عن الاردن وصار كبار الفنانين والشعراء يتسابقون للمشاركة في فعالياته. ,,, وبعد كل هذه السنين الطوال والجهود الجبارة التي بذلها المؤسسون للمهرجان تأتي الحكومة وبجرة قلم لتلغي مرحلة من تاريخنا. انه بحق اعتداء على ذاكرتنا يستوجب المساءلة الوطنية.