أشعرتنا " المحاكم الإسلامية " في الصومال بوجودها المتجدد ، هي في الأصل لم تغب حتى في لحظات الصعوبة الميدانية عندما تجاوزت القوات الاثيوبية والحكومية الصومالية امكنتها بالجملة. وفي يوم مثيل له ارسلت حركة " طالبان " انذارها حين اخترقت كل المحرمات الامنية وكادت ان تصل الى الرئيس قرضاي. ضمن هذا المفهوم لايحق لاي دولة مهما كبرت اوصغرت الا ان تتأمل في البعيد ان هي ربحت شوطا من المعركة العسكرية ، لان الذين لاتذلهم السياسة يظلون تحت الارض وفوقها على أمل كتابة منعطف جديد عندما تسنح ظروفهم.
ما فعلته " المحاكم " ليس مفاجئا وكذلك طالبان ، فالعالم اليوم يقاد بلعبة او مجموعة ألعاب مكتوب لها ان تستمر كي ينقلب سحرها على الساحر. فالذين يصنعون موت الآخرين يكتوون بنارهم لاحقا ، والذين يحكمون بقبضة حديدية على الرقاب فانما يضعونها حول رقابهم وسيأتي الوقت الذي تشد فيه حتى الاختناق. لم يعد بمقدور أحد الغاء أحد او انهاء وجوده ان هو فكر بالسيطرة عليه. لاتكون السيطرة كاملة الا اذا وقع الطرفان اتفاقا بذلك ، ولكي يحصل وتتم قواعده يفترض الحسم في شتى الاتجاهات وخاصة في الجانب السياسي الذي هو الصعوبة الكامنة دائما. اذن كل حرب هي انفجار لحروب سابقة لم تنته. كذلك الحال بين العرب وإسرائيل ، وتحديدا بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، ويمكن اعتبار حروب حزب الله مع إسرائيل اشارة فاقعة في هذا المجال.
لا أحد يستطيع تلمس النهايات او كتابتها على طرف لايرغب به او ببقائه في حالة الضد ، البعض تعلم ولكن آثر التجريب مرة ومرات ، تماما مثل الولايات المتحدة التي تفتقد تجاربها المعاصرة الى المزيد من التأمل في ما سبقت اليه. واذ تبدو الولايات المتحدة بحاجة الى مساعد ينتشلها من وهج النار المحيطة بها في العراق وغيره ، فانها تبدو مستسلمة لقدر من صناعتها على أمل ان تحرز انتصارات باتت وهمية امام الجبروت الانساني الذي تلهب مشاعره الوطنيات المكثفة.
ستظل الصومال علامة على حروب لانهاية لها ، وكذلك حال افغانستان ، فيما تتعلق آمال مستجدة على تغيير ما في الشرق الاوسط هو بين الحرب الكارثة وبين السلام الموعود الذي لايهل. فما يجري بين سوريا وإسرائيل يعطي القوة للرئيس السوري فيما قد يؤدي الى انهيار التحالف الإسرائيلي الحكومي ورحيل اولمرت او هو استمر في " مغامرة السلام " التي يندفع اليها. ويمكن القول ان السلام لايقيمه سوى الاقوياء ولم يعد بنافع مجرد الايحاء به كي لايصبح مسهلا لحرب مضمونة.
من الصعب اسكات البؤر المتفجرة ان لم يعترف الاقوياء بنصيب في الحياة الحرة والكريمة لآخرين ضعفاء. ولسوف يشهد العالم مزيدا من المشاهد المتكررة التي يغير فيها المتضررون على صانعي الضرر ليس لكتابة التاريخ بل للافصاح عن عمق الفجوة التي تزداد والتي يراد لها ان تظل قائمة كي تبقى منطقة الشرق الاوسط مناخا ملتهبا تتحق فيه اغراض الكبار عبر لهيب المعارك.