ليس من الحكمة في شيء التقليل من حجم وجدّية الأخطار التي تتعرّض لها بلادنا , ولا من الحكمة في شيء التقليل من شأن قوات العدو وإمكانياته وقدراته المدمّرة, والقول بإمكانية إرغامه على الانسحاب السريع من أقطارنا المحتلة, خاصة العراق, الانسحاب اليوم قبل الغد وفي العام الحالي قبل العام التالي! مثلما من الحماقة أن يقطع المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية جون ماكين أنّ احتلال العراق سوف يستمر لمئة عام! فالاحتلال لن ينتهي بعد أشهر أو سنة أو سنتين كما يشيع بعض العرب, كما أنّه لن يستمر عشرات السنين كما يجزم ماكين, ومن قبله الرئيس جورج بوش الذي قدّر أنّ القوات الأميركية سوف تبقى في العراق لمدّة خمسين عاماً, وهو ما حدث في كوريا الجنوبية!
خلال السنوات القادمة, وليس العقود القادمة, سوف تستمرّ وتتصاعد الأهوال التي تتعرّض لها بلادنا, واستمرارها وتصاعدها لا يعني بالضرورة استمرار الاشتباكات المسلّحة مع الأميركيين حصراً وتحديداً كمظهر وحيد للأهوال, ففي حال نجاح الأميركيين في إحلال قوات محلية كافية وقادرة محلّ قواتهم في مواجهة المقاومة, وضمان أمن المناطق النفطية وتجميع قواتهم بعيداً عن مناطق الاشتباكات المسلحة في العراق, وهو ما يعتقدون اليوم أنهم على وشك تحقيقه, فإنّ الوضع سيكون أشدّ هولاً سواء نجحت القوات المحلية في السيطرة التامة أو الجزئية على العراق أو لم تنجح! ولذلك ينبغي أن يعرف الناس العاديون أن ليس ثمّة مفرّ من مواجهة الأهوال, سواء باستمرار الاشتباكات مع الأميركيين مباشرة أم بسيطرة حكومة محلّية متفقة معهم, كذلك ينبغي أن يعرف الناس بأنّ الأهوال ليست خيارنا, بل مفروضة علينا في جميع الأحوال سواء قاومنا أم لم نقاوم, فإمّا أن نهلك من دون مقاومة, كالمواشي في المذبح, وإمّا أن نمتلك فرصاً عظيمة متاحة فعلاً للنجاة, وذلك بسلوك طريق المقاومة!
لقد تعاون البعض وتساهل الكثيرون مع الاحتلال الأميركي للعراق بسبب المعاناة من أوضاعنا الداخلية, ولكن مع أخذ هذه الأوضاع بعين الاعتبار فإنّه لمن المخزي بالنسبة لأصحاب النوايا الحسنة أن لا ينتبهوا منذ البداية إلى الأهمّ والأخطر بما لا يقاس من أية معاناة داخلية, مثل تصريح وزير الطاقة الأميركي سبنسر أبراهام, في العام ,2001 الذي جاء فيه : "إنّ الولايات المتحدة مقبلة على أزمة كبيرة في توفير النفط خلال العقدين القادمين, وأيّ فشل في مواجهة هذا التحدّي سوف يعرّض اقتصادنا وأمننا القومي للخطر, وسوف يغيّر نمط حياتنا بكلّ معنى الكلمة"!
لقد كان هذا التصريح في أوّل عهد بوش أوّل إعلان للحرب ضدّ العراق تحديداً كخطوة أولى, وقد لاحظ المراقبون أنّ القرن الحادي والعشرين بدأ باحتلال العراق للسيطرة على ثروة القرن الكبرى, أي النفط, في ظلّ بدء نضوب النفط الذي سيصبح أكثر ندرة وأغلى سعراً في السنوات القادمة (سمير التنير- صحيفة "السفير"- 26/3/2008) بل ذهب المحللون أبعد من ذلك فأشاروا إلى احتمال نشوب الصراعات بين الدول الثرية المستهلكة في حال شحّ النفط وارتفاع سعره, وهكذا اندفعت الولايات المتحدة في اتجاه إحكام سيطرتها على المنطقة العربية والإسلامية حيث يوجد أكبر احتياطي للنفط في العالم كلّه, وفي هذا الاتجاه كتب دونالد كاغان من مجموعة المحافظين الجدد يقول: "على الأغلب سنحتاج إلى وجود عسكري مكثّف في الشرق الأوسط لفترة طويلة, فأيّ تعثّر لتدفّق النفط سوف يؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة, وإنّ وجود قواتنا في العراق كفيل بمنع أيّ توقّف للإمدادات النفطية"!
إنّ الوجود العسكري الأميركي في البلاد العربية مرتبط بمشكلة الولايات المتحدة مع النفط في جميع جوانبها وتداعياتها, وإنّه لمن الصعب القول أنّ واشنطن يمكن أن تغيّر خططها الإستراتيجية الطويلة الأمد طواعية, فالرئيس الحالي بوش والرئيس المحتمل ماكين يتطلعان إلى تغييرات تكتيكية عسكرية, بإعادة انتشار القوات خارج المناطق التي يسودها العنف في العراق, مع تركيز سيطرتهم المباشرة على المناطق النفطية ( المرجع السابق).
نعود إلى ما بدأنا به فنقول أنّ من واجبنا ومن حقّ الإنسان العادي علينا تقديم صورة للوضع تكون أقرب ما يمكن إلى الواقع, فلا نخدعه بالحديث عن انتصار سريع حاسم مؤزّر يمكن أن يتحقق دون أن تشمل الأهوال الجميع, ولا نخدعه أيضاً بإيهامه أنّ العدو قدر لا مفرّ منه وتستحيل مواجهته, وأنّ الخلاص يمكن أن يتحقّق بالانصياع لإرادته, فمثل هذا الانصياع أشدّ خطراً وأعظم تكلفة من مقاومته, نقول ذلك ونحن نرى الانقسام المذهل في الموقف السياسي العربي, فقد تحقق فرز حادّ لم تشهد له البلاد العربية مثيلاً من قبل, حيث بعض الهيئات السياسية والحكومية العربية توشك أن تعلن أنّها في خندق واحد مع الأميركيين والإسرائيليين, ضدّ السوريين والإيرانيين والمقاومين في العراق ولبنان وفلسطين, وهذا الاتجاه يذكّرنا, في أقلّ حالات الظنّ سوءاً, بقصة الحمامة والثعلب الذي كان يطالبها بإلقاء أفراخها من أعالي الشجرة إليه وإلاّ تسلّق وأكلهم, فكانت تستجيب, إلى أن سخر منها طير آخر قائلاً: " لماذا تقدّمينهم بيديك إليه? دعيه يتسلّق ويلتهمهم إن كان يستطيع"! أمّا أكثر حالات الظنّ سوءاً فلا مجال معها لمثال الحمامة, حيث لا حمائم ولا من يحزنون, بل قوى محلّية يرتبط وجودها ومصيرها بوجود ومصير الشركات الربوية الاحتكارية, الأميركية وغير الأميركية, وبوجود ومصير النظام الدولي المنحاز كلّياً إلى الظالمين ضدّ المظلومين, وإلاّ كيف يعمل البعض علناً على تجريد المقاومة من سلاحها وتفكيكها وتصفيتها, في فلسطين ولبنان والعراق, بدلاً من الدعوة إلى استكمال ما ينقصها عسكرياً ومساعدتها على التخلص من عيوبها سياسياً?
غير أنّ ما لا يجوز أن تفوتنا الإشارة إليه ونحن نتحدّث عن الأهوال القابلة للتصاعد في بلادنا أن هذه الأهوال تشمل الطرف المقابل الأميركي أيضاً, فبالإضافة إلى الخسائر الضخمة في الجنود والعتاد, وبالإضافة إلى الفشل الذريع في السيطرة على النفط العراقي وإنتاجه بالكميّات المقدّرة مسبقاً, قال تقرير أعدّه مكتب الموازنة في الكونغرس أنّ تكاليف الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان بلغت 600 مليار دولار حتى نهاية أيلول ,2007 وأنّه من المرجّح أن تتجاوز مبلغ 2400 ملياراً خلال السنوات العشر المقبلة, وسوف يبلغ رقم التكلفة المتعلق بالعراق لوحده نسبة 80 بالمئة, وأنّ التكلفة في العراق (حوالي 1900 مليار دولار) تعادل إعطاء ثمانية آلاف دولار لكل شخص في الولايات المتحدة (أو أخذها منه!) وعندما يتحدث الكونغرس عن تكاليف بهذا الحجم ينبغي التذكّر أنّ إدارة بوش قدّرت تكاليف الحرب العراقية قبل شنّها بمبلغ لا يتجاوز 50 مليار دولار! غير أنّ تقرير الكونغرس كشف أيضاً أنّ 50 ألف جندي أميركي سيبقون في العراق و25 ألفاّ سيبقون في أفغانستان حتى العام ,2017 أي أنّ القوات الأميركية ستبقى مبدئياً في البلدين لمدة عشر سنوات, وهذا يتوقّف على نجاحها في إقامة مؤسسات حكومية محلّية تقوم نيابة عنها بأعباء الاحتلال, فإذا نجحت في ذلك فلماذا لا يكون منطقياً حديث بوش وماكين عن البقاء في العراق لخمسين عاماً أو لمئة عام? أما إذا لم يكن نجاحها مضموناً, وهو لا يبدو مضموناً لأسباب كثيرة ليس هنا مجال عرضها, فإنّ البقاء حتى العام 2017 يصبح موضع شكّ كبير!