من يتأمل صورة الأوضاع السياسية و الإنسانية العامة في الشرق الأوسط سيدهش لحجم الفوضى و الإنفلات الذي يلم مختلف جوانب الحياة في المنطقة فالديمقراطيات المحلية الصغيرة تحبو وتنمو في ظل أزيز صراعات تقليدية و محافظة و صعود واضح للتيارات الطائفية و السلفية! ، كما أن الإستعداد للحرب يتعالى وسط أصوات خجولة تدعو للسلام و لتقديم صفقات شاملة لحل أزمات المنطقة التاريخية و المستعصية ، فآلة الحرب الإسرائيلية وهي تقدم عن طريق الباب العالي السابق أغصان الزيتون لنظام دمشق من أجل التوصل لصفقة سلام تعيد بموجبها الجولان المحتل للسيادة السورية تستمر في طحن عظام الفلسطينيين في غزة و تتواصل في قتل الأطفال و النساء و الشيوخ بدم بارد و لا تميز بين حماسي أو إنسان بريء و مسالم ينام في منزله! ومع الذكرى السنوية الستين لتأسيس و قيام دولة إسرائيل و التي ستشهد إحتفالية تاريخية و ضخمة سيكون من حضورها الرئيسيين الرئيس الأمريكي جورج بوش في آخر زيارة له للمنطقة وهو رئيس للولايات المتحدة تستمر المخططات لإقتحام غزة و فرض حل عسكري و الإستهزاء بكل العرب و الدوس على الأبرياء في إحتفاليات دموية صاخبة لا يعرف خلالها كيف تسير الأوضاع أو من يوجه الأمور ، فحجم الإقتتال الفلسطيني الداخلي و العداء الدموي الشرس الفلسطيني/ الفلسطيني قد شكل خير غطاء لجرائم الجيش الإسرائيلي في غزة و جريمة قتل الأطفال الأخيرة قد مرت في ظل صمت دولي حتى من الأطراف المعروفة بدفاعها عن الفقراء و الأطفال و المحرومين كالنرويج مثلا التي تقف مواقف متميزة من الإعتداءات الإسرائيلية رغم متانة العلاقات النرويجية معها إلا أنها هذه المرة قد صمتت صمت القبور و لم تتحرك دبلوماسيتها لإدانة ما حصل بل كان التجاهل سمة الموقف وهو موقف متراجع و مؤلم و يؤشر على خلل كبير في الدبلوماسية الفسطينية و العربية منشأه الأساسي حالة الإقتتال الداخلي و التي ستستثمرها إسرائيل في النهاية خير إستثمار خصوصا و أن وزير الدفاع الإسرائيلي الحال إيهود باراك يمتلك خبرة هائلة في أساليب القتل الشامل و التخطيط العملياتي لذلك وهو ما ستظهر نتائجه على الجسد الفلسطيني قريبا بعد إحتفالات إسرائيل بالتأسيس!! و كالعادة فإن الصمت العربي هو سيد الموقف ، أما نظام دمشق الحائر بين إسترجاع الأراضي المحتلة و المفقودة و مواجهة ربيع الغضب الشعبي السوري و التفنن في قمع الأصوات الحرة التي تريد إدخال دمشق في مسرح التاريخ و تنظيف جسدها الجميل من أدران الدكتاتورية العائلية و الطائفية فهو في حالة صراع واضح المعالم ، فالحليف الإيراني المزعج و الذي يتخذ من نظام دمشق حصان طروادة متقدم في العالم العربي يريد توريط دمشق حتى النهاية في حربه المفتوحة ضد الغرب و توسيع ساحة و مديات المواجهة التي لا يستطيع نظام دمشق مهما كانت كميات الحقن و المقويات الإيرانية من إدارة ملفات صراعها الصعبة و لعل كشف الستار عن عملية تدمير المفاعل النووي السوري بالقرب من دير الزور من قبل الطائرات الإسرائيلية و مقتل خبراء كوريين شماليين يعيد إلى الأذهان حكاية عملية ( بابل ) أي قصف الطائرات الإسرائيلية للمفاعل النووي العراقي ( تموز ) و تدميره في السابع من يونيو 1981!!، فالضربات تتكرر و بنفس الكيفية و لكن لا أحد يتعظ! فما أكثر العبر و أقل الإعتبار كما يقول الإمام علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) ، فنظام دمشق محصور بين فكي كماشة الأوضاع الداخلية الصعبة و تفاقم الأزمة الإقتصادية و كفاح أحرار الشام للتخلص من كل متعلقات سنوات الرصاص و الدم و الإرهاب و الدكتاتورية و بين متطلبات الحلفاء الستراتيجيين كإيران التي تقاتل و تفعل المستحيل من أجل ضمان الهيمنة على قرار النظام السوري فعقد إتفاق سلام سوري / إسرائيلي معناه ستراتيجيا نهاية حقيقية للدور الإيراني في الشام و لبنان و إضمحلال القوة العسكرية لحزب الله اللبناني أحد المستهدفين و المتضررين من أية تسويات إقليمية ، في المقابل تستمر آلة الحرب الأمريكية في الدوران في منطقة الخليج العربي لتجعل من خيار ضرب إيران إحتمالا واقعيا قد يحدث في أية لحظة نظرا لتصاعد ملفات الإتهام الأمريكية المباشرة للدور الإيراني السلبي بل التدميري في العراق وهو ما يفسر سر تحول بعض المقربين لإيران من الحكومة العراقية مثل موفق الربيعي مستشار ألأمن القومي العراقي الذي أعلن صراحة و بشكل واضح عن أدوار إيران و دمشق السلبية في الوضع الأمني العراقي فحينما تكون المفاضلة بين الدفاع عن المصالح الإيرانية أو المصالح الأمريكية فإن الغلبة ستكون للأخيرة!! لأن الصلاة خلف أئمة إيران أجزى و أثوب و الركض وراء ساسة واشنطن أدسم و أكثر عطاءا!!! وهكذا هي اللعبة منذ فجر التاريخ... المنطقة تسير على براميل بارود ساخنة و قد تشتعل في أية لحظة و خيارات السلام و الحرب و الإرهاب تتصارع جميعا لتشكل قمة المشهد الفوضوي الخلاق في الشرق الأوسط.. و تطورات الأيام القادمة ستحسم الشكل النهائي لكيفية إدارة الصراع... و مع ذلك فإن الكوارث تطل بقرونها..!
dawoodalbasri@hotmail.com