يقول اللورد تبت القطب المحافظ البارز , أن بريطانيا كافحت لمدة 750 عاماً لجعل القانون السلطة الأعلى في البلاد , يخضع لها الجميع دون إستثناء . هذا الإنجاز هو قمة التفوق الحضاري , الذي سهّل إنطلاقة بلا قيود , لا تعرقلها تروس الفساد أو المحسوبية . كما أن سلطة القانون تنشر العدل الذي لايخضع للأهواء الحاكم مهما كان دوره وإسهاماته .
التجربة البريطانية , هي العزف الإنساني الرشيد الذي يستهدف خير الجميع , وليس مصلحة فئة معينة أو لقطاع من الناس . والدول تنهض بفعل جهود كل أبنائها , ويعود ريع التنيمة للجميع بدون تفضيل طبقة على أخرى .
ويمكن توجيه النقد لعشرات الأشياء في بريطانيا , غير أن السبل القانونية كافية لتعديل المسارات الخاطئة , كما أن خضوع الحكومة للبرلمان < جهاز التشريع > يجعل دائماً هناك قدرة على ضبط الأداء , حتى لو تطرفت حكومة ما ولم تصغ لإحتجاج الرأي العام .
خلال حقبة الثمانينيات فرضت الليدي تاتشر , عندما كانت تتولى الحكم , ضريبة غبية على المواطنين . وإستمر إحتجاج الرأي العام ضدها حتى أسقطها , ودفعت المرأة الحديدية الثمن في إنفضاض التأييد الشعبي عنها , ثم خروجها من مقر الحكم باكية بعد تمرد من داخل حزبها ضدها .
وتحرك رئيس الوزراء البريطاني الحالي غوردون براون , مبكراً لإجهاض معارضة ضده , نتيجة ضرائب تمس قطاعات أقل دخلاً في المجتمع . جاء الإحتجاج من أعضاء حزبه حيث هددوا بالتصويت ضد الحكومة في البرلمان . ويعرف رئيس الوزراء أن ترك هذه الأزمة تتفاعل , لا يحقق رغباته في التمتع بشعبية وقبول من الرأي العام , فتراجع أمام < البرلمان > عن كل السياسات التي أعلنها بهذا الصدد . وأطلقت المعارضة على تراجعهم وصف < المهين > لكنه لا يهتم بهذه الأوصاف , طالما تمكن القفز على أزمة , كانت ستكلف حكومته الكثير .
وإذا كان القانون هو الركيزة الأولى لنمو المجتمع البريطاني , فإن الخاصية الثانية هي الإنصات للرأي العام وعدم تجاهل إحتجاجه أو إستخدام قوات الأمن لقمع أصوات المعارضة بالخوف والسجن والإعتقال والتشريد .
لقد إستطاع المجتمع البريطاني لصيانة نفسه , تركيب أجهزة إستماع جيدة التوصيل لرأي الناس وإحتجاجهم , وإعتراضهم على سياسات محددة .
والمسؤول الذي يستجيب لآراء الرأي العام , يتمكن من النجاة , أما الآخر الذي يتعنت كما فعلت < تاتشر > فإن مصيره الخسارة والطرد من موقعه الحكومي , بإرادة المواطنين خلال إنتخابات عامة , أو إنقلاب أبيض ضده تقوده شخصيات معارضة من داخل حزبه تحذر من تجاهل إحتجاج الغاضبين .
يلعب < البرلمان > الدور الأكثر فاعلية , فهو صوت الأمة بحق , لا يصفق أعضائه لرئيس الحكومة , وإنما يواجه كل أسبوع حملة صاخبة , تسأله وتحقق معه بشأن قضايا تهم المواطنين وعليه تقديم إجابات شافية .
وخلال الأسبوع المضي تعرض غوردون براون لحملات قاسية من زعيم المعارضة ضده , وصلت إلى حد الإهانة والسخرية . ولم يتبرم رئيس الوزراء , فتلك قواعد اللعبة الديمقراطية وعليه قبولها والإشتباك معها وتقديم أدلة مع أرقام ترد على مواقف المنتقدين وتتوجه إلى الرأي العام .
ويعد يوم < الأربعاء > من كل أسبوع من أمتع المشاهد الديمقراطية حيث تتألق خطابة سياسية مسؤولة تفند مواقف الحكومة ويرد عليها رئيس الوزراء بأخرى مضادة في < ديالوج > مسرحي سياسي ممتع , يعكس حيوية مجتمعات لا تخاف النقد ولا تخشاه وتشتبك معه . والحزب غير القادر على المواجهة , يتنحى ويترك موقعه لغيره . والزعيم الفاشل في لقاءات المحاسبة الأسبوعية , يترك مكانه لآخر لديه هذه القدرة . وقد غيّر حزب المحافظين المعارض ثلاثة زعماء فشلوا في الهجوم على الحكومة العمالية في البرلمان وتعريتها . والزعيم الحالي ديفيد كاميرون , لديه قدرة وجرأة سياسية مبهرة في محاصرة رئيس الوزراء بأسئلة وإستجوابات . والأخير وهو يجلس على قمة السلطة يتلعثم أمامه وغير قادر على المواجهة , لذلك تطرح بعض أسماء في حزب < العمال > الحاكم فكرة إزاحة < براون > والإستعانة بزعيم ماهر غيره .
والصحافة في بريطانيا حرة بشكل مطلق في التعامل مع القضايا الداخلية , إذ أنها لا تطبل للحكومة ومهمتها نقدها والسخرية منها والتركيز على أخطائها بشكل مستمر ومطاردة الوزراء ومحاسبتهم بطريقة عسيرة للغاية , ولا تترك المجال أمامهم للإنفلات إذا كان هناك قصوراً ما .
هذه الأدوار الحاسمة التي يمثلها القانون مع البرلمان والصحافة , تجعل سلطة الرأي العام هي الأكبر . وهذا يذكرنا بشعار سعد زغلول زعيم حزب الوفد المصري خلال ثورة 1919 , إذ كان يقول < أن الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة > وهو يعني بالحق , القانون الذي يُلجم القوة بأطر العدالة الناجزة ويكبلها بتراث لحماية الأمة من الإنزلاق إلى الفوضى , لأن التخلي عن القانون , يعني السقوط في هذا المستنقع الخطر والمدمر . والشق الثاني بأن الأمة فوق الحكومة يعني برلمانها وصحافتها وإرادتها السياسية الممثلة في الأحزاب وقوى المجتمع المدني .
كان سعد زغلول يستمد شعاره من هبّة مصرية تمسكت بالقانون وحق الأمة . وكان هذا الإلتفاف يقوم على محوري النهضة في بداية القرن الماضي , مع ثقة ببناء الأوطان على هذه القاعدة الذهبية , لكن ما حلم به زعيم الوفد لم يتحقق , فقد أصبح الأمن فوق الأمة وعنف السلطة هو المسيطر والمهيمن , لذلك تنمو الأزمات وتستفحل وتضيق الأحوال وينعكس الأمر كله على المزاج العام , الذي ينزلق إلى الحزن والإحباط معا , مما يدفع نحو سلبية وعدم إهتمام والتحليق في سماء الخرافات والأوهام والهروب من الواقع إلى طابور الهجرة , إذ لم تعد الأوطان هي مجال الحلم والأمل .
كان الزعيم الوفدي الراحل , لديه الثقة أوائل القرن الماضي بإقامة المجتمع طبقاً لجناحي شعاره ومقولته , غير أن الهزيمة التي لحقت بمصر عكست الآية , مما ينجم عنه الإضطراب مع شيوع الفوضى في ظل قمع فريد وغريب يخنق الروح ويصيب الأمة بالخوف الفظيع , مما يعطل قدراتها وطموحها بالقفز إلى ميدان النهضة .