يصر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر , على حمل رسالة سلام , لمنطقة كأنها تستعد للحرب . وظهرت المبادرة الشخصية له في حوار مع قوى محجوبة عن الشرعية الدولية , بدعوته إلى قبول الأمر الواقع والمصالحة مع خصوم يستخدمون السلاح بدلاً من الحوار , مع طرح قضية الإعتراف بحقوق فلسطينية , لا يمكن التوصل إلى حل لها بالإغتيالات والقصف والحصار .
وكأن < كارتر > لا يزال أسيرتجربة المصالحة بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن .
ومن المهم تذكُر أن < السادات > هو الذي ذهب إلى إسرائيل , عارضاً حقن الدماء وزرع ورود السلام والمصالحة بدلاً من الخصام والإقتتال والحروب . وطرح الرئيس المصري مبادرة تقوم على مبادلة الأرض مقابل هذا السلام , لكن إسرائيل راوغت كثيراً في قبول هذا المبدأ , ولم تتخل عن أراضٍ مصرية إلا في ضوء شروط , وجدها البعض ولا يزال تنتقص من مبدأ السيادة .
لكن على الرغم من هذه الملاحظات ,فقد إستردت مصر أراضيها بسبب مبادرة < السادات > مهما كان الخلاف معها , فلا يمكن تحت أي ظروف أو تحليل معارضة عودة الأراضي المحتلة إلى السيادة الوطنية ونزعها من أنياب المستعمر .
كان ظرف المصالحة بين إسرائيل ومصر , يختلف تماماً عن الأوضاع الراهنة , لذلك لم تتحمس إسرائيل لمهمة كارتر , الذي أقنعها خلال محادثات < كامب ديفيد > عندما كان يرأس الولايات المتحدة , توقيع إتفاق مصالحة مع مصر . وقد حاولت إسرائيل من خلال رئيس الوزراء إيهود أولمرت إهانة الرئيس الأمريكي الأسبق برفض إستقباله عندما كان يزور بلاده , على الرغم من سجله الواضح في تحقيق أول معاهدة سلام بين الدولة العبرية و الحكومة المصرية تحت زعامة أنور السادات .
إسرائيل ليست فقط , التي لم تهتم بمبادرة كارتر الثانية من أجل السلام , وإنما الإدارة الأمريكية ذاتها سخرت من هذا التحرك وهاجمته , لأن الرئيس الأسبق يعتقد بأنه يمكن جذب < حماس > إلى طاولة تفاوض ويصر على ضرورة الإعتراف بهذه الحركة والإتفاق معها , في مقابل خطوة مماثلة من < حماس > نفسها للإشتباك مع الطرف الإسرائيلي والإتجاه إلى مصالحة كاملة للأزمة الراهنة .
وقد جاء < كارتر > وإسرائيل تشن عمليات عسكرية صاخبة لا تراعي الحدود ولا القوانين ولا حجم المأساة الإنسانية . وتعتمد الدولة العبرية على قوة ضارية , أصابها الغرور والشعور بقدرة السلاح على حل موضوع فلسطيني بالتصفية الكاملة وعلى مراحل , والتخلص من < حماس > التي بدورها تثير الشغب ضد سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس .
إسرائيل تعرضت لنكسة في حرب صيف عام 2006 مع < حزب الله > وهي تريد الإنتقام من خسارتها العسكرية على الأرض اللبنانية , في غزة , بردع مخيف , لا قلب له ولا رحمة , للتغطية على ما جرى في الجنوب اللبناني من إنكسار وهزيمة معنوية لحقت بالجيش الذي لا يقهر .
ويبدو الموضوع الفلسطيني أكثر تعقيداً من ملف سيناء , والمستوطنات التي كانت قائمة هناك , حيث زادت سيطرة المستوطنين على الحكومة الإسرائيلية وأصبحت تكبلها وتمنعها من الإندفاع نحو سلام جديد مع الفلسطينيين . والمستوطنون الأكثر تطرفاً وتمسكاً بالأرض المغتصبة ولا يريدون التخلي عنها . ويرى الإتجاه المتشدد داخل إسرائيل أن الظروف مناسبة للغاية لرفض تقديم تنازلات تمس حقائق في نظرهم عن إسرائيل الكبرى . وقد إستفاد الإتجاه الإستيطاني من تداعيات الحادي عشر من سبتمبر - أيلول عام 2001 , حيث تستثمر إسرائيل التفجيرات التي جرت ضد الولايات المتحدة لصالحها تماماً نتيجة لتطابق المواقف في معالجة ظاهرة الإرهاب والتصدي له ولمنظماته . وتتفق واشنطن مع إسرائيل في أن < حماس > منظمة إرهابية لا يجوز التعامل معها .
وقد ضغطت الولايات المتحدة في زمن الرئيس جيمي كارتر , على إسرائيل لإتمام صفقة السلام , لكن < واشنطن > لا تستطيع الآن الضغط على إسرائيل بأي درجة في ظل الأوضاع الحالية وإصرار إدارة الرئيس جورج بوش على مواقفها وعدم التزحزح عنها والتمسك بها .
مبادرة < كارتر > الثانية , قام بها وهو خارج السلطة , والذي يحكم الآن البيت الأبيض هو الحزب الجمهوري ومجموعة المحافظين الجدد , مع تضخم نفوذ المستوطنين في إسرائيل , الذين لا يريدون السلام بل الحرب , حيث يشعرون بقوة عسكرية طاغية , هي الأكبر في المنطقة كلها كما قال وزير الدفاع إيهود باراك .
من ناحية أخرى ينقسم العالم العربي ذاته تجاه السلام , فهناك فصيل يضم < حماس > يضغط بشروطه التي تبدو للبعض متطرفة , والفريق الثاني بزعامة محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية , يرفض < حماس > وأطروحاتها في ظل غياب رؤية مشتركة للفلسطينيين كما كان يحدث في السابق , وهناك حالة إنقسام واضحة على كل المحاور .
وقد ظهر كارتر خلال جولته الأخيرة بالمنطقة , وكأنه يحلم أو يحلق في أيام الماضي البعيد , ولا يدرك حجم المتغيرات التي أطاحت بكل شئ في طريقها , وأفرزت عشرات التحديات من قوة المستوطنين في إسرائيل إلى تنظيم < القاعدة > في العالم العربي بالإضافة إلى فاعلية المحور الذي تقوده إيران , مما أدى إلى حالة من الإنقسام والتشرذم . وهناك أيضاً وضع الولايات المتحدة نفسها , التي تعيش سنة إنتخابات رئاسية والكل يسعى ويزايد لتأمين إسرائيل ومناصرتها للحصول على الصوت اليهودي وضمان تأثيره .
ومن الصعوبة تكرار التاريخ سواء بطريقة مأساوية أو أخرى في شكل الملهاة أو المسخرة .
ومن المؤكد أن < كارتر > رجل صادف ومحب للسلام , لكن العالم الذي يتحرك فيه لا يوافقه حالياً على مبدأ التصالح لغياب قوة مركزية ضاغطة تملك مسك جميع الأطراف وإقناعها لهذه الخطوة . وقد نجمت متغيرات جديدة تغمر العالم في ظل ما حدث في واشنطن ونيويورك من تفجيرات ودخول الحلفاء إلى أفغانستان , مع غزو العراق ومشاركة بريطانيا للولايات المتحدة في هذا الشأن .
إن المسرح الدولي إختلف عن فترة نهاية السبعينيات وظروف كامب ديفيد . حتى ما تم التوصل إليه من تطبيع جزئي بين إسرائيل وبعض مناطق في العالم العربي , لم يحقق النتائج التي كان يروجها ويحلم بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات , الذي دفع ثمن ذهابه إلى إسرائيل وتوقيه على إتفاق سلام معها .
مبادرة < كارتر > الإنسانية لا تجد إستجابة , لأن المناخ ملتهب ولغة الحرب هي المطروحة , وقد قامت إسرائيل قبل زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق إلى المنطقة بأضخم مناورة عسكرية في تاريخها , لإعلان إستعدادها للمواجهة في ميدان الصراع العسكري , وليس للجلوس على مائدة مفاوضات .
والكل في الشرق الأوسط يشير أو يتحدث أو يرمز للحرب المتوقعة , أما الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر فتطوف في خياله الإنساني رغبة جامحة لتجميع المتنازعين مرة أخرى إلى طاولة التفاوض , لكنه لا يدرك هذه المرة عدم وجوده في السلطة , والآخر الذي يتولاها ليست لديه رغبة للضغط لأنه يستعد للرحيل وترك منصبه .