صدرت في بريطانيا عدة أحكام قضائية بالسجن بحق نشطاء مسلمين , وأدانتهم بالتحريض على العنف وبث الكراهية والإنحياز إلى مصطلحات ومواقف عنصرية . وجاءت الأحكام بإدانة أسماء برزت على الساحة خلال الآونة الأخيرة , وتميزت بالتشدد في التعبير الديني والإتغلاق الكامل وعدم فهم الإسلام الصحيح ومحكم آياته وعقيدته .
من هؤلاء أبو عز الدين , الذي أدانته محكمة بريطانية بالسجن لمدة أربع سنوات على نشاط كان يقوم به ودعاية تميزت بالعداء لديانات أخرى والتحريض ضدها . وكان الناشط الإسلامي الذي يقضي فترة عقوبة داخل السجن , قد عارض وزير الداخلية السابق د . جون ريد , ووقف يتحداه بأسلوب هجومي حاد , ويطالب بإخراجه من مركز إسلامي , جاء إليه الوزير للمناقشة مع أعضاء في الجالية الإسلامية لبعض القضايا التي تخصه وتطرق إلى موضوع الإرهاب والتأثيرات الضارة على الأجيال الشابة التي تعيش في البلاد . منع < أبو عز الدين > الوزير من الحديث , واتهمه صراحة بمعادة الإسلام والمسلمين , وأنها لا يملك الحق في توعية الحاضرين بدينهم , وهو الذي لا يعرف عنه شيئاً . وظل الناشط الإسلامي يُطلق صيحات صارخة وحادة ضد الوزير مع رفض الإستسلام لمطلب التهدئة من حاضرين هذا اللقاء . وكان يردد شعارات تهاجم د . جون ريد بقسوة مع إتهام الحكومة البريطانية ذاتها بالعداء للإسلام والمسلمين .
والمعروف عن حكومة < العمال > الحالية , سعيها الدائم للحوار مع الجالية الإسلامية والدخول في مناقشات لجذبها إلى قطاع المجتمع للتفاعل مع الحياة السياسية والثقافية والدخول في إدارات الحكم المحلي والبلديات . وهذه الحكومة , هي التي دفعت بنواب مسلمين إلى البرلمان عبر تأييدهم في دوائرهم وتوفير المساعدة الحزبية لهم حتى تم دفعهم إلى مجلس العموم . وهناك أربعة نواب مسلمين , يمثلون بعض القطاعات الإسلامية في بريطانيا , كما حقق < العمال > أيضاً دفعة قوية لإختيار مسلمين في مجلس اللوردات من بينهم إمرأة .
طبيعة حزب العمال الحاكم تعود إلى تاريخ طويل , يرحب بالمهاجرين وعطاء الأقليات . ولا يوجد صدام بين توجهات الحزب وأفكاره وإلتزاماته , وجماعات مسلمة تعيش في بريطانيا وتتمتع بالحماية القانونية الكاملة وحق الترشيح والإنتخاب للمجالس النيابية .
سمح القانون للجالية الإسلامية بأداء الشعائر وبناء المساجد وإقامة المدارس الإسلامية , التي تحظى بدعم الحكومة , ويجب الفصل بين قرار سياسي بشأن غزو العراق , وموقف يلتزم بالقانون بحماية الأقليات وتوفير ضمانات أمامهم ورفض التحريض عليهم أو المس بهم . إن المسلمين في بريطانيا مواطنون يتمتعون بحقوقهم كاملة ويمارسون نشاطهم دون تمييز على الإطلاق , لذلك لابد المحافظة على هذا الوضع وحمايته من نيرات وغباء التطرف .
وتحرك سياسات منغلقة بعض الجماعات والتيارات الإسلامية على تشجيع الأحزاب والقوى العنصرية التي توجه العداء للمسلمين والإسلام , لكن هذا الأسلوب الأخير يجرمه القانون تماماً . وقد وقف زعيم الحزب الوطني البريطاني نيك غريفين أمام محكمة للدفاع عن نفسه في ظل إتهامات له بالتحريض على العداء العنصري لآخرين , يختلفون معه في الديانة والعقيدة .
كان موقف أبو عز الدين أمام الوزير السابق جون ريد , يمثل حالة جديرة بالتأمل , نتيجة الخطاب الحاد الذي إستخدمه والهجوم الصارخ على الوزير , والطريقة التي عبّر بها عن رأيه والإهانات التي أطلقها بحق مسؤول ملتزم بأداء الحكومة التي لا تعادي الإسلام ولا تقف منه بطريقة إستفزازية وتحريضية , إذ القانون يرفض ذلك تماماً ويجرمه .
وقد عُرف عن < أبو عز الدين > مواقفه الحادة وتطرفه في تفسير الإسلام بهذا الشكل الصارخ والرافض للحوار والآخرين أيضاً .
ويعود هذا الموقف إلى طبيعة بعض المتحولين إلى الإسلام من ديانات أخرى وعرقيات لم ترتبط بتراث حضاري طويل تشبع بالثقافة وإستوعب الآخرين في جوفه , بسبب التسامح والرحمة الدينية والتعاطف الشديد الذي يكشف عن إسلام إنساني يتجلى في سُنة الرسول الكريم وسيرة حياته وتعامله مع أصحاب الديانات الأخرى بإحترام ورفق .
أبو عز الدين , تحول من الإسلام من المسيحية , وكان إسمه قبل إعتناقه الدين الحنيف هو تريفور بروكس . وقد تتلمذ في ظل تحوله على يد بعض الأسماء من دعاة مسلمين لم يفهموا جيداً نهج العقيدة , إذ كانوا بدورهم يعيشون حياة بعيدة عن الإسلام , ثم فجأة غيروا أسلوب حياتهم وانتقلوا من ضفة لأخرى , وتميزت خطوتهم الإنتقالية بالوقوف على محطات معينة من تاريخ الإسلام , لم تكن تعبر عن نهضة وتسامح , وإنما كانت أيام أزمات إنتعش فيها التفسير الإنقلابي والمعادي للآخرين , إذ كان العالم الإسلامي في بعض أقاليمه تحت الإحتلال ويواجه تحديات كبرى , لم يعرف البعض كيفية الرد عليها بالتصدي والمواجهة واختار الإنسحاب إلى خندق التعصب والرفض الكامل .
ولعل الصراع الذي نشب في شبه القارة الهندية بين مسلمين وهندوس , يعود إلى هذا السبب في التطرف وكراهية الآخر . وإعتمد تيار إسلامي على تفسير < أبو الأعلى المودودي > وهو يكشف الإنعكاس الحاد لهذه المواجهة والصراع الدامي , بينما بيئات إسلامية أخرى لم تشهد مواجهات بهذا الصدد وتشبعت بتراث حضاري طويل , لذلك مدارسها في التفسير والإفتاء إعتمدت على نهج التسامح والإعتراف بالآخر بل الحوار معه , كما يحدث في تجربة الإمام محمد عبده .
ولعل مدرسة الأزهر الشريف , خير مثال على تفسير إسلامي يتعامل مع الحياة بحرص وعلى بناء الأمم وتعامل مع الآخرين , حيث كانت مصر دائماً تتجاور فيها العقائد والمذاهب ولم تشهد حالة من الإحتقان أو التضاد أو الحروب الدينية . وكان شيخ الأزهر الراحل محمود شلتوت من أنصار الحوار وتقريب المذاهب , ويحض في كتابه < الفتاوى > على تفسيرات معتدلة تعالج قضايا الحياة بروح تفهم توجهات النص وتغوص في جوف الرسالة الإسلامية . ويُعد < شلتوت > من أكثر الدعاة الذين شجعوا على تقارب المذاهب الإسلامية , ومن جانب آخر إتجه إلى تسليح المؤمن بمجموعة من التوجيهات تستلهم روح الإسلام وسيلة نبيه في البناء وليس الهدم .
وعندما دخل أبو عز الدين ورفاقه إلى الإسلام , كان يحركهم الرفض الكامل للمجتمع البريطاني , فإنتقالهم إلى الإسلام في مضمونه موقف إحتجاج صارخ على قيم وعادات وسلوكيات , ووجدوا في تفسير خاص بهم , أن الدين الحنيف يرفض الآخرين تماماً ويتهجم عليهم , وهذا غير حقيقي على الإطلاق , ويكفي أن نقرأ سيرة نبي الرحمة وعلاقته مع أصحاب الديانات الأخرى , وكيف أنه ارتبط بكتابية مسيحية . والمسلمون الجدد من أصول كاريبية وإفريقية , لم يتعرفوا على حقيقة الإسلام وجوهره ورسالة النبي الذي كان يؤكد دائماً أنه رحمة مهداة . وإنتقالهم إلى ديانة الإسلام أخذ شكل الإعتراض على طبيعة مجتمع لم يرحبوا بعاداته وسلوكه وقيمه , ووجدوا , في رسالة الرسول الكريم , البديل الآخر المناقض تماماً لمنهج لا يتقبلونه وينبذون عاداته وتطوره الحضاري , من تدهور الأسرة وإرتفاع نسبة الإدمان وإرتكاب المعاصي المختلفة . وإحتجاجهم يمكن تصنيفه بأنه تمرد على نمط إجتماعي معين , وهناك بريطانيون لديهم هذا الموقف , يعارضون التدهور ومظاهر الإدمان والتفكك الأسري , لكن الشخصيات التي إنتقلت من ديانات مختلفة إلى الإسلام , تميزت بالجنوح الحاد والإرتكاز على تفسيرات متطرفة للغاية , لا تعكس وسطية الإسلام وتياراته الكبرى المتمثلة في أسماء من رجال الدعوة على مر التاريخ , خصوصاً أصحاب الرؤى الإجتماعية مثل < أبو ذر الغفاري > ثم بعد ذلك < جمال الأفغاني > وغيره من أئمة عظام , إلتزموا بموقف إسلامي صحيح واختلفوا مع الآخر , لكن في أطر الحوار والنقاش والإحترام المتبادل .
القفز في حالة بعض المسلمين الجدد في بريطانيا , من عالم لآخر , تميز بالإنغلاق والإدانة , وبعض الداخلين إلى الإسلام من بريطانيين وأوروبيين تدفعهم تجارب خاصة بهم , إذ شعروا بالعزلة في هذه المجتمعات وعدم التجاوب معها , وأيضاً تعرضوا لمضايقات ورفضوا أسلوب التردي في العادات الخبيثة . ودفعتهم كل هذه الظروف إلى محطة إسلامية تطهرية بالكامل للمحافظة على نقاء العلاقات الإجتماعية والإرتباط بالزواج لحماية الأسرة , وإلزام المرأة بعادات معينة تختلف عن قيم مجتمع صناعي متحرر , إذ رجعوا إلى أنماط حضارية نشأت في عمق الصحراء , بتزمتها وحجابها وتخفي المرأة عن المشاركة في حياة المجتمع . بينما في مصر مثلاً , كانت المرأة دائماً في حقل العمل , بجانب زوجها الفلاح تشاركه المهام التي يقوم بها في زراعة الأرض . وعرفت مصر عدة أشكال متقدمة للغاية في نمط حرية المرأة , وأتاحت نهضتها الحديثة منذ ثورة 1919 إلى بروز أسماء نسائية بارزة في حقل التعليم والصحافة والتمثيل والمحاماة . المسلمون الجدد في بريطانيا , إستندوا على مظهر المرأة المسلمة , من تجارب صحراوية , لا علاقة لها بالمجتمعات الإسلامية الأخرى في بلدان المشرق والمغرب على السواء .
وكان لدخول الإسلام من طرف هذه المجموعات الوافدة عليه في بريطانيا , عدة دوافع تتحرك بكراهية الآخر ونبذه , والإحتجاج عليه بالإنحياز إلى تفسير لا يعبر عن الإسلام , وإنما يعكس موجة متشددة تتبنى نهج خطاب < التكفير والهجرة > من هذا المجتمع وتبني لغة حادة عنيفة وناقمة في الوقت نفسه . وعندما كان أبو عز الدين يُطلق تصريحاته النارية في وجه وزير الداخلية آنذاك د . جون ريد , كان يعبر عن غضب وكراهية وإنتقام , له جذوره التاريخية في تراث الرجل وأسلافه , يعود إلى عصر تجارة العبيد وإلى أيام الحقبة الإستعمارية , لكن الإسلام الصحيح , لم يعط أبو عز الدين هذه الأسلحة , لأنه على العكس مما ترسخ في ذهنه الغاضب , كان الدين الإسلامي حريصاً عبر تاريخه الحضاري الطويل على الحوار والإنصات والإتصال مع الآخرين وإحترام عقائدهم وعدم السخرية منها . ولعل موقف الخليفة عُمر إبن الخطاب ومن قبله الرسول نفسه , يكشف عن إسلام آخر غير الذي يُعبر عنه < أبو عز الدين > ومجموعة من رفاق دربه , دخلوا إلى العقيدة دون فهمها ولا التماس مع جذورها في بيئات حقيقية تمثلت قيم الإسلام العظيمة في ساحة البناء والمشاركة مع الآخرين والدعوة بالكلمة الطيبة والإلتزام بالموعظة الحسنة .