حينما يؤكد رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت مؤخرا تمسكه بحل الدولتين ، محذرا مما أسماه "الواقع غير المحتمل" المتمثل بـ"الدولة الواحدة ثنائية القومية" ، فانه يفتح مجددا ليس فقط ملف العنصرية الصهيونية ضد من تبقى من اهلنا هناك في فلسطين ـ 48 ، وانما يفتح ايضا ملف "الدولة اليهودية النقية" وملف" الترانسفير ضد عرب48" ، ويثير ابعد من ذلك "هواجس الرعب الديموغرافي" التي تقف الى جانب استراتيجيات واهداف اخرى وراء كل قصة "الترانسفير والدولة النقية".
فقد قال أولمرت خلال زيارته لثكنة لجيش الاحتلال قرب الخليل: "ثمة أهمية كبيرة في التوصل إلى حل الدولتين للشعبين ، وإذا لم يتحقق ذلك سنتدهور بسرعة أكبر مما نتصور إلى واقع غير محتمل وهو الدولة الواحدة ثنائية القومية ـ عن عرب 48 ـ 09 ـ 04 ـ 2008 ". وهكذا يحملنا اولمرت الى اعادة فتح هذا الملف الذي في الحقيقة لم يغلق ابدا من ناحيتهم...،
فوفق المؤشرات الاسرائيلية فإنه ما من موضوع راهن في سياق الصراع يحتشد حوله "اجماع قومي اسرائيلي" اكثر من موضوع "الأرض" و"الديموغرافيا" و"الدولة اليهودية النقية"وكذلك "الترانسفير"وان كانت الاحزاب الكبيرة لا تعلن عنه صراحة.. فهم "يريدون الأرض كلها يهودية صهيونية بلا سكان عرب" ، ومن هنا شكلت وما تزال دائما هذه المسألة هاجسا يقض مضاجعهم.
ربط الدكتور عبدالوهاب المسيري في مقالة له حول المسألة ربطا جدليا ما بين ثلاثة هواجس تهيمن على "الخريطة الادراكية الاسرائيلية" هي: 1 - الهاجس الديموغرافي 2 - هاجس نهاية وجود اسرائيل كدولة يهودية. 3 - هاجس حق العودة وتقرير المصير لملايين اللاجئين الفلسطينيين .
كان المؤرخ الاسرائيلي البروفسور" بني موريس" قد تناول مشكلة "الخطر الديموغرافي العربي". اما كبير الديموغرافيين البروفسور "سيرجي ديلا فرغولا" فقد تنبأ مبكرا قائلا : "خلال سنوات معدودات سيتحول اليهود الى اقلية في المساحة الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الاردن" و" ان الحل يكمن في تغيير الوضع الديموغرافي لصالح اليهود بصورة ملموسة". اما البروفسور الديموغرافي "امنون سوفر" فقد توقع "ان اسرائيل تسير نحو الانتحار" و"ان الحل يكمن في التخلص من السكان واقامة الجدار.. فهذا يعني النجاة لليهود".
الصحفي الامريكي "بنجامين شفارتس" احد كبار محرري مجلة "اتلانتيك" الامريكية اوصل "الجدل الديموغرافي" الاسرائيلي الى ذروة جديدة محمومة حينما كتب مؤخرا متسائلا تحت عنوان: "هل ستبقى اسرائيل قائمة بعد مئة عام؟" ، واجاب شفارتس بوضوح: "انه قرر مستندا الى محادثات اجراها مع جهات اسرائيلية مختلفة في اسرائيل وبالاساس على التوقعات الديموغرافية الاسرائيلية: "ان الرحم الفلسطيني هو قنبلة متكتكة فعلا.. وستؤدي في نهاية المطاف الى ترجيح كفة الميزان السكاني الفلسطيني ومنع اسرائيل من الحفاظ على التوازن الديموغرافي في ايار 2048".
كانت "وثيقة مؤتمر هرتسليا الاول" الذي عقد خلال فترة 19 - 21 كانون الاول ـ 200 وهي الاخطر في هذا المنطلق قد اوصت المؤسسة الاسرائيلية باعطاء الاولوية العليا للمشكلة الديموغرافية مؤكدة: "سيكون من الواجب ايجاد مخرج.. ليس في دولة اسرائيل ، دائما الى الشرق من الاردن".
لنقف في الخلاصة المكثفة امام الحقيقة الكبيرة الساطعة ، اننا ما زلنا امام مشروع صهيوني استعماري استيطاني اقتلاعي احلالي كبير ومرعب يستهدف فلسطين والاردن معا وليصل الى حدود الفرات ، بل ان هذا المشروع يشهد في هذه الآونة اوج تطبيقاته ومقارفاته الارهابية الاجرامية بقيادة اولمرتية او بن موريسية على حد سواء؟ بينما نتبنى ونتعاطى عربيا في مواجهة ذلك المشروع ، بثقافة السلام وتعديلات المناهج ومصفوفات مفاهيم حقوق الانسان... والتعايش والتطبيع. وليتبين لنا مجددا واننا عمليا امام نبوءات "انبياء الغضب الديموغرافي".