تدخل مقولة الحرب والسلام في صميم كينونة الاشياء ، وهي في خضم الزمن تشبه الموجة صعودا وهبوطا بفعل الضغط الشديد الذي يؤدي للانفجار، وهو ما يتمثل في العدوان والهيمنة وحب السيطرة أو التملك الذي توجهه الغرائز والحاجات والسياسات في عالمنا المعاصر للأستحواذ على الاشياء دون حق مشروع ،او وازع اخلاقي أو قانوني ، أو تحت وطأة انفعالات انسانية بدائية ، ونوازع جاهلة متخلفة تصبح بمثابة مطية مكررة تبرر الحروب الكبرى تحت غطاء من التمدن الزائف ، الذي ميز عالم اليوم ، وما افرزه من معتقدات جوفاء لتبرير الحروب ، وتقنينها ، وإدارتها لوجستيا واستراتيجيا مستغلة وجود التكنولوجيا الحديثة الفتاكة ، واسلحة الدمار الشامل التي تشبه الريح الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر.
أما السلم العالمي فانه يعم حينما تزدهر الحضارة والعلوم الانسانية والاداب ، وتترقى المجتمعات عقليا ووجدانيا ، الامر الذي يتمخض عنه الوعي بحقيقة الدور الانساني في محاربة الغريزة الجامحة ، والعدوان الصارخ ، تمهيدا لتقسيم الادوار على اساس الحقوق والواجبات ، وسيادة القانون والاخلاق التي تعتبر بمثابة الكابح الاساسي لوقف الحرب ، وإشاعة روح السلام القائم على المحبة والاخوة والتعاون ، وهو ما يجعل صبغة الحرب والسلام نتيجة حتمية للثقافة المسيطرة على الشعوب ، فكلما تحضر الانسان عم السلام ، وكلما تخلف تهيأت الارض الخصبة للحروب والمنازعات ، وشيوع ادبيات المناورة السياسية المخادعة ، والنفاق الدبلوماسي الذي يخفي وراءه النوايا السيئة ، والخطط الشيطانية التي تروج للشر والفتنة العمياء .
والسياسة الحكيمة تقوم على حقيقة موضوعية مستمدة من تجربة تاريخية مطلقة ، مفادها الاستعداد للحرب والسلام في ان معا ،أو التلويح بالبندقية وغصن الزيتون ، وفي حال ما فرضت الحرب التي لا خيار فيها يكون الانسان في حالة استعداد لا يعفيه من مسؤوليها شيء ، ومد يد السلام إذا ما كان خيارا متاحاً مع الملاحظة ان الحرب والسلام مقولة اخلاقية في الدرجة الاولى ، يتشاركان في صنع دوامة الحياة ، أرادهما البارىء عز وجل بمثابة امتحان يتبين فيه الخيط الابيض من الاسود ، ويتميز فيه الخبيث عن الطيب ولله عاقبة الامور.