في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الروسي في موسكو، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس «إن الرئيس بوتين يريد ان يستضيف مؤتمر موسكو للسلام بين الفلسطينيين واسرائيل.. واضاف انه يريد ان يبحث الموعد وأجندة المؤتمر مع الرئيس الروسي، فالرغبة مشتركة لعقده لدى الطرفين والذي من المرجح ان يكون موعده في يونيو القادم».
من ناحيته، فإن بوتين لم يتطرق لانعقاد مثل هذا المؤتمر، وفقط تمثل استعراضه للصراع العربي الفلسطيني- الاسرائيلي من خلال مخاطبته لعباس «بأنك سيدي الرئيس مع رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود أولمرت تكثفان من الجهود لدفع الأمور قدما، ونحن ندعم ذلك».
أتت زيارة عباس إلى موسكو قبل بضعة ايام من زيارته المقررة إلى واشنطن لمقابلة بوش، والذي بدوره سيقوم بزيارة إلى إسرائيل في اواسط مايو المقبل، لمباركة الذكرى الستين لتأسيسها، من قبل، كان الرئيس الفلسطيني قد عبر عن حتمية «وليس تفاؤلاً» قيام دولة فلسطينية خلال العام الحالي 2008، وذلك قبل مغادرة بوش للبيت الأبيض.
الرئيس عباس وما قبل توليه للرئاسة الفلسطينية بعد وفاة عرفات، يؤمن إيمانا قاطعا بان المفاوضات، والمفاوضات فقط هي الاستراتيجية الوحيدة للوصول إلى حل مع الكيان الصهيوني، فهو طالما نادى بعدم عسكرة الانتفاضة، وهو الذي أعلن مراراً وتكراراً بأنه أحد مهندسي لقاءات اوسلو، التي أسفرت عن اتفاقيات مشؤومة، والتي برغم مضي ما يزيد على عقد زمني على توقيعها، فإنها لم تلحق سوى المزيد من الدمار بالمشروع الوطني الفلسطيني، ورغم إعلان شارون اثناء اجتياحه لمناطق السلطة عن وفاة هذه الاتفاقيات.. إلا ان السلطة الفلسطينية ما تزال تتمسك بها، بالرغم من ان اللقاءات الاثني عشر بين عباس واولمرت، واللقاءات الكثيرة الاخرى بين لجنتين: فلسطينية واخرى اسرائيلية برئاسة قريع وليفني لم تنتج حلا، ولا اعترافا اسرائيليا من أي نوع بحق واحد من الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل كانت كلها عبارة عن لقاءات عبثية، بلا جدوى، هذا ما لا نقوله نحن، بل يعكسه الواقع، فاسرائيل تزداد تطرفاً واستيطاناً في الضفة الغربية، واقترافا للمجازر بحق الفلسطينيين، ومصادرة للأراضي وهدما للبيوت، واعتقالا واغتيالا وتنكرا للحقوق الفلسطينية، وإصراراً على استمرار بناء الجدار العازل.
على ما يبدو، ان الرئيس الفلسطيني يراهن جديا على دبلوماسية المؤتمرات، بالرغم من ان تجربة مؤتمر انابوليس وما تلاه من خطوات اسرائيلية على صعيد الواقع، مترجمة في التنكر المطلق لما اخذه من قرارات، بدءاً من مطالبته لها بوقف الاستيطان وانتهاء برفضها التفاوض على قضايا الوضع النهائي «وهو ما دعا اليه المؤتمر».. كل ذلك لم يكن كفيلا بالرئيس الفلسطيني للخروج باستنتاج عن فهم اسرائيل وبتأييد كامل من الولايات المتحدة، لمضمون عقد قبل هذه المؤتمرات، والذي لا يتعدى الايماء اعلاميا، بأن حركة ما سياسية تدور بين الفلسطينيين واسرائيل بحثا عن حل لما يدور بين الجانبين على طريق انهاء الصراع بينهما.
بالنسبة لمؤتمر موسكو، لم يصدر عن واشنطن أو تل أبيب ما يشير بقبولهما انعقاد مثل هذا المؤتمر أو حتى امكانية حضورهما لأعماله، وقد يغيب عن ذهن الرئيس ايضا، بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا الآن ولا مستقبلاً، تقبل بأي دور لروسيا في حل الصراع الفلسطيني العربي- الصهيوني، أو للتواجد من جديد في المنطقة، مثلما كان التواجد السوفييتي الفاعل والمؤثر في الشرق الاوسط في الحقبة الناصرية.
من جهة أخرى، قد لا يدرك الرئيس أبومازن، بأن اسرائيل لن تقبل بدور دولة أو دول اخرى، أياً كانت غير دور الولايات المتحدة الأمريكية في ايجاد الحلول للجانبين، ذلك محكوم بأسباب كثيرة، ابرزها هو التماهي المطلق بين الجانبين في رؤيتهما للحلول أو بشكل أدق للتسوية مضمونا وشكلا، نقول التسوية وليس السلام العادل، فالفارق كبير بين المضمونين.
إسرائيل تعلن خطوطا حمراء لمضمون وشكل الحل، وواشنطن تؤيدها، بالتالي، هل ستسمح واشنطن وتل أبيب لعاصمة أخرى «وحتى لأوروبا الغربية» بالإمساك بأوراق الحل؟
ولعل من المفيد، الاشارة، إلى أن الاستنتاج الاول في تجارب حركات التحرر الوطني على صعيد العالم أجمع يتمثل في ابقاء كل الخيارات الممكنة مفتوحة أمام مطلق حركة تحرر وطني، فطرق خيار «وفي حالتنا المفاوضات السياسية»، إن لم تؤد إلى نتائج، تظل الخيارات الأخرى مفتوحة من اجل ممارسة الضغط على العدو، واجباره على الاعتراف بالأهداف التي قامت حركة التحرر الوطني بثورتها في سبيلها، بدءاً بالجزائر وانتهاء بجنوب إفريقيا.
للأسف، فإن خيارات الرئيس عباس والسلطة الفلسطينية (فيما بعد، أي بعد تشكيلها) منذ اتفاقيات أوسلو (وتعززت فيما بعد) تتمثل في خيار وحيد هو: المفاوضات السياسية، وبذلك يتم اغلاق الباب امام كل الخيارات الأخرى، ومثلما قلنا، فإن خيار التفاوض لم ينتج حلاً!
قد يقول قائل: ولكن خيار المقاومة ايضا لم ينتج حلاً؟ وفي الرد نقول: ان تجارب حركات التحرر الوطني ايضا تنم على: كيفية استثمار المقاومة في الفعل السياسي أولاً، وثانياً فإن نهج المقاومة غير مرهون بزمن، وايضا نستحضر تجربة الجزائر وجنوب افريقيا التي دامت 253 سنة.
ما نقوله، يكتسب أهميته في الذكرى الستين للنكبة، لأننا مطالبون جميعاً باجراء المراجعة والتمحيص في الفترة الماضية.
وللأسف لا يملك الرئيس أبومازن والسلطة سوى خيار واحد، وهو الذي اثبت فشله حتى اللحظة، ولا يشير إلى امكانية تحقيق نتائج من خلاله، لا الآن ولا غداً.. ولا بعد مائة عام.