يأتي البعض من المثقفين العراقيين من خلف الصفوف ليهتف بانفعال , متبنيا ً صرخة المتنبي المباهية :
أنا في أمّة تداركها الله ... غريب ٌ كصالح ٍ في ثمود ِ
وما مقامي بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود ِ
وهذا البعض , ينسى أن للناس ذاكرة , وللتأريخ لسانا ً , سينطق حتى إن سكت الآن وصمت أصحابه لأسباب كثيرة , أولها , الوضع العام في الشارع الثقافي المرتبك , وليس آخرها الفضاء الملوّث الذي عم ّ كل شيء , فلا يمكن لأحد منّا أن يطل على الآخرين , ليحاورهم بهدوء , وربّما ليصحح معلومة , وردت خطأ في مقال أحدهم , ونحن جميعا ً نعلم , أن هذا الخطأ مقصود , مع سبق الإصرار والترصد .
مناسبة حديثي هذا , هو أنني قبل مدة تلقيت رسالة من صديقي الرائع , الشاعر الذي لا جدال في عمق نقائه وصدقه وصفاء سريرته , وأعني عبد الرزاق الربيعي , يقول الربيعي في رسالته , هل حقّا ً كان فلان كذا , قبل احتلال بلادنا ؟ ... واستغربنا معا ً الإدعاء الذي جاء به ذاك ال ( فلان ) , ثم كتب لي , بعد مدة رسالة ثانية , حول ادعاء آخر تبنّاه ( علاّن ) فقال لي : تأمّل الكذب الذي جاء به ( علان ) , ثم قال لي إلى متى نصمت عن قول الحقيقة , ومجابهة هؤلاء المدعين , الذين يستخفّون بعقولنا وذاكراتنا , ويفتعلون أشياء , مناقضة لحقيقة الأمور ؟
قلت ُ له : اصبر يا صديقي , فالجو ملغوم , ولا يسمح لنا الخوض , في مستنقعاته الآسنة , متذكرا ً نصيحة مهمة هي : لا تنبش القمامة , لأنك ستتلقى منها ما يسيء إليك ويزعجك ويحزنك , لذلك لنترك الأمر الآن , ولندع طنين الذباب , حتى تهدأ الأمور ولو بعد صبر ٍ طويل ٍ , هذا جانب , أما الجانب الآخر , فهو يأتي من أصدقاء نحترمهم ونثق بنقائهم ووعيهم , لكنهم , يريدون رسم صور ٍ عارية ٍ عن الصحّة , ومنها الإشارة إلى الشاعر المبدع الرقيق سلمان داود محمد , على أنه من ضحايا ( النظام السابق ) وأنه كان يعمل بالسر ضده , وأن مكتبه , كان منبرا ً للمعارضة , وغير ذلك من مثل هذه الأشياء غير الصحيحة , وتحديدا ً تلك التي جاء بها الناقدان ريسان الخزعلي وعلي حسن الفوّاز , وهما من النقاد المثابرين الذين كان لهم حضور واضح في كل مناسبة أدبية تقام أيام نشاط الاتحاد العام للأدباء والكتاب قبل الاحتلال , وكانا من النقّاد الدائمين لملتقى تموز للشعراء الشباب الذي شارك في دورته الأولى الشاعر المبدع سلمان داود محمد , هذا الشاعر النقي , الباذخ في إنسانيته , الصادق مع تجربته حد التطابق , وهو الذي لو أراد المتاجرة بمواقفه , لحصل على الأقل على منصب وزير الثقافة , لكنه مخلص للوطن بطريقته الخاصة التي يحترمها الجميع , أما مكتبه , فلم يكن سريا ً ,ولم يكن ذا فعل سياسي كما يدّعون , وهو في نقطة واضحة في قلب بغداد , بداية شارع الرشيد فوق محل تسجيلات القيماقجي الشهير , ولو كان عليه شائبة , أو ينطوي على نشاط ٍ سياسي , لما تركته الدولة وهو صارخ الوضوح .
لا أريد هنا أيّها الأصدقاء , غير أن نكون صادقين مع أنفسنا , ولا نجرّ ذواتنا لادعاءات , يعلم الجميع أنها مفضوحة , علينا جميعا ً أن نكون مخلصين لوطننا ولإبداعنا أوّلا ً , وأن لا ننسى أنفسنا , حين نجلس أمام الميكرفون , وتحت أضواء الفضائيات .
مع عميق محبتي لأصدقائي سلمان داود محمد وعلي حسن الفواز وريسان صدام الخزعلي .