كل مسلم غيور على دينه وهويته وثقافته يحس بالغضب من الممارسات الاستفزازية التي قامت بها مجموعة من الصحف الدنماركية والأوروبية بالإضافة إلى النائب اليميني الهولندي في الإساءة إلى رموز الإسلام الرئيسية وهي رسول الله عليه الصلاة والسلام والقرآن الكريم. لكن هذا الغضب لا يعني بالضرورة التسرع في ردود الفعل والتي تؤدي أحيانا إلى تدعيم الفكرة الخاطئة المأخوذة عن المسلمين بالتطرف والعنف وردود الفعل السريعة.
من المهم أن نتذكر أن ما حدث من إساءات تم من قبل أفراد ومؤسسات إعلامية وليس من قبل دولة الدنمرك وهولندا ولهذا فإن الدعوات المستمرة لمقاطعة هولندا والدنمرك ربما تشكل رد فعل مشابها تماما لاتهام الغرب لكل المسلمين بالإرهاب نتيجة سلوكيات لأشخاص وتنظيمات خارجة عن القانون.
الحكومات في الغرب ليست مثل الحكومات في العالم العربي فهي لا تبتلع كل السلطات ، ولكن معذور من يعتقد أن خطأ ترتكبه وسيلة إعلام دنمركية أو نائب هولندي يمكن أن يعالج بالدعوة إلى مقاطعة الحكومات لأن الخبرة التراكمية لدينا في العالم العربي تشير إلى أن الحكومات هي المسيطرة على كل شيء. ولكن الرسام الدنمركي لا يمثل الشعب الدنمركي أو حكومته كما أن النائب الهولندي لا يمثل الشعب الهولندي وبنفس المنطق فإن جورج بوش لا يمثل الشعب الأميركي ولا الزرقاوي يمثل الشعب الأردني أو بن لادن يمثل الشعب السعودي.
من يمارس الخطأ بحق الآخرين سواء كان عن طريق الاحتلال والظلم أو القتل أو الإساءة للرموز الدينية شخص خرج عن الطريق القويم وليس من المنطقي الدعوة إلى شمول جميع أقرانه ومواطنيه في تعميم شامل بالأوصاف السلبية.
قيام 50 نائبا في البرلمان الأردني بالدعوة إلى مقاطعة الحكومة الهولندية بسبب الفيلم الذي أنتجه النائب اليميني هو مؤشر ممتاز على حرص النواب الأردنيين على حماية هوية الأمة العربية والإسلامية ولكن كان من الأولى توجيه الدعوة بالمقاطعة لمؤسسة مجلس النواب الهولندي والتي يعتبر النائب عضوا فيها وليس في الحزب الحاكم في هولندا.
وهذه الدعوة إلى المقاطعة تعني أيضا مقاطعة كل النشاطات التي يشارك فيها البرلمان الهولندي سواء في هولندا نفسها أو في الدول الأوروبية.
وفي حال اتخذ مجلس النواب الأردني مثل هذا القرار الجريء يكون قد أوصل رسالة واضحة بتقديم الحرص على الإسلام فوق كل المصالح الأخرى وهو أهم من وضع الكرة في ملعب الحكومات والتي لا تملك إلا المخاطبات الدبلوماسية.
المهم أيضا في مواجهة الإساءات الصادرة عن بعض المؤسسات والأفراد في أوروبا التركيز على بيان خطأ المنطلقات التي تطرحها وهذا أهم بكثير من المظاهرات والمسيرات وبيانات التنديد ودعوات المقاطعة لأن المطلوب هو منع انتشار هذه الطروحات الخاطئة من خلال مواجهتها بالحقائق.
هناك مواجهة حضارية وثقافية بين العنصريين المتطرفين في أوروبا وما بين جوهر الإسلام وهذا ما يتطلب من المسلمين اليقظة التامة في عدم تحول ردود أفعالهم إلى أداة جديدة للتشهير بالدين الإسلامي.
في هذا السياق فإن الفيلم الذي أنتجه النائب الهولندي يعتبر أكثر خطورة على المسلمين من الرسومات الدنمركية السمجة ، لأن الفيلم يعتمد في مشاهده الأولى على مادة مرئية قدمها بعض المسلمين من تفجيرات إرهابية وعمليات إعدام للرهائن وتصريحات عدوانية وعنصرية ، وقام المخرج بالربط التعسفي واللئيم ما بين هذه السلوكيات الخاطئة التي ارتكبها بعض المسلمين والقرآن الكريم بالإضافة إلى أن الفيلم لم يوضح السياق السياسي والتاريخي لهذه العمليات الإرهابية والتصريحات العدوانية والتي نتجت بسبب الشعور بالظلم نتيجة السياسات الأميركية بالذات في هذه المنطقة.
كل جهد عربي وإسلامي لمواجهة الهجمات التي توجه ضد رموز الإسلام هو جهد مشكور ويستحق التقدير وكلما كان موجها نحو توضيح حقيقة الدين الإسلامي والتركيز على المصدر الحقيقي للمشاكل وعدم الانجراف وراء العدائية لدول ومجتمعات كاملة يكون تأثير رد الفعل الإسلامي أهم وأشمل وأكثر فائدة للإسلام نفسه.