كل ما توفر عند صحيفة (آرام) من معلومات على خلفية مناقشات مجلس النواب الخامس عشر لبرنامج عمل حكومة المهندس نادر الذهبي تشير إلى أن الحكومة الجديدة ستتفرد عن غيرها من حكومات سبقت في التاريخ الأردني بثقة غير مسبوقة من جانب مجلس النواب الذي خلا وللمرة الأولى منذ العام 1989 من "المشاكسين والمشاغبين". يذكر أن جبهة العمل الإسلامي التي ظلت على الدوام تقود المعارضة واجهت أقسى هزائمها في الانتخابات الأخيرة.
ومع تأكيدات حكومة نادر الذهبي وهو سادس رئيس وزراء في عهد الملك عبدالله الثاني منذ 1999 على ضرورة بناء مشارة فاعلة بينها وبين السلطة التشريعية لمواجهة تحديات المرحلة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، فإن الحكومة تستعد لحصد أكثر من مائة صوت ثقة لصالحها من مجلس النواب البالغ عديد أعضائه 110 .
وكان الرئيس الذهبي شرع منذ أيام وعلى هامش مناقشات البرلمان لخطة حكومته التي استندت على خطاب العرش بعقد سلسلة لقاءات يستكملها اليوم وغدا مع النواب للتشاور حول بيان وخطة عمل حكومته وتأكيده لهم عزم حكومته على بناء شراكة حقيقية مع مجلس النواب.
وتقول الصحف الأردنية أنه على الرغم من إصرار رئيس مجلس النواب المهندس عبد الهادي المجالي إنهاء المناقشات والتصويت على الثقة بالحكومة يوم الأحد، ولو في ساعة متأخرة، إلاّ ان نوابا ابدوا خشية من عدم تمكن المجالي من تحقيق ذلك، وتوقعوا انه في حال عدم التمكن من إنهاء المناقشات والتصويت يوم الأحد ان تخصص جلسة مساء يوم الاثنين للاستماع إلى رد الحكومة والتصويت على الثقة طالما ان المجلس سيكون مشغولا صباح الاثنين برفع الرد على خطاب العرش إلى الملك عبد الله الثاني، حسب صحيفة (الرأي) القريبة من الحكم.
وكان المجالي أعلن في جلسة الخميس الماضي ان جلستي اليوم (السبت) ستكونان مكثفتين ولن يقل عدد المتحدثين فيهما عن (45) نائبا لتدارك التأخير الذي حدث في أول أيام المناقشات إذ لم يتحدث طيلة يومي (الأربعاء والخميس) الماضيين سوى(31) نائبا. ويقدر عدد النواب الذين طلبوا التحدث في مناقشة خطة وبرنامج الحكومة، ولم يتحدثوا بعد، نحو (71) نائبا.
وإذ ذاك، فعلى صعيد متصل ، أعلن (11) نائباً أمس تشكيل كتلة ''الوفاق الوطني''، وهي الثانية التي يعلن عنها بعد كتلة نواب حزب جبهة العمل الإسلامي (ستة نواب). وتضم ''الوفاق الوطني'' النواب: صلاح الزعبي ونصر الحمايدة ووصفي الرواشدة وجميل الحشوش ويوسف البستنجي وسند النعيمات وهاني النوافلة ومرزوق الدعجة ويوسف الصرايرة وتوفيق كريشان وعواد الزوايدة. وفتحت الكتلة باب الانضمام إلى صفوفها، وقررت أن يتحدث النائب كريشان باسمها في جلسة الثقة اليوم.
ومن جهة أخرى، اكد مصدر حكومي مطلع ان لجنة وزارية شكلت من اجل العمل الفوري على زيادة رواتب الموظفين وربطها بالتضخم بداية العام المقبل. ونقلت صحيفة (الدستور) ثاني كبريات صحف المملكة عن المصدر قوله ان اللجنة المشكلة تضم اعضاء من وزارتي تطوير القطاع العام والمالية وديوان الخدمة المدنية وديوان المحاسبة.
ويهدف تشكيل هذه اللجنة الى المباشرة الفورية من اجل العمل على ايجاد الآلية المناسبة لرفع رواتب الموظفين وربطها بالتضخم تنفيذا لرؤية القيادة العليا، واشار المصدر الى ان الهدف من وضع الدراسات هو تحقيق تناسب جزئي ليتلاءم مع غلاء المعيشة في الرواتب ، مشيرا الى ان نسبة الزيادة ستكون من 7 الى 11%.
واكد ان هناك عدة سيناريوهات لتحقيق هذه الزيادة الا ان الدراسات الفعلية هي التي ستحدد الالية التي سوف تنفذ لربط الرواتب بالتضخم ، ومن هذه السيناريوهات رفع بند غلاء المعيشة او اضافة الزيادة وبالنسبة التي ستقر على مجمل الراتب الاساسي ، او ان تكون على مرحلتين على الراتب الاساسي كل منهما نصف سنوية.
ولفت المصدر الى ان الزيادة لن تكون في اي حال من الاحوال لمرة واحدة لكنها سترتبط بالتضخم اي انها زيادة مطردة مع زيادة التضخم وغلاء المعيشة. وكان رئيس الوزراء نادر الذهبي تعهد في بيان حكومته امام مجلس النواب الخامس عشر لنيل الثقة بالتركيز على رفع وتحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي وان ان الاوضاع الاقتصادية وارتفاع الاسعار سوف تكون موضع الاهتمام على اعلى المستويات ، اضافة الى العمل على زيادة النمو الاقتصادي وانتاجية الموظف وزيادة الدخل وربط رواتب الموظفين بمعدل التضخم لحمايته.
حديث مازن الساكت
على هذا الصعيد، اكد رئيس ديوان الخدمة المدنية مازن الساكت في اكثر من تصريح صحفي سابق ان هناك دراسات فعلية اجريت منذ ان اعلن الملك عن ضرورة رفع الرواتب وربطها بالتضخم وان هذه الدراسات وضعت عدة سيناريوهات من اجل لتحقيق التوجيه الملكي.
وكان الساكت اشار ايضا الى ان الزيادات التي كانت تمنح في السابق ليست زيادات سنوية ولكنها كانت حلولا جزئية وكانت تطرح دون دراسات وتؤدي الى خلل اساسي في هيكيلة الرواتب.
وتوقع الساكت في حينه ان تكون الزيادة 7% مشيرا الى ان هذه النسبة اذا اقرت فـ "ستحتاج الى 150 مليون وهذه النسبة ليست لمرة واحدة لان قرار زيادة الرواتب مرتبط بالتضخم وليس مكافأة تمنح لمرة واحدة".
وقال: اذا كان موظف يتقاضى 250 دينارا وجاءت الزيادة بنسبة 7% فستكون 18 دينارا ولكن هذا المبلغ لن يكون لسنة واحدة بل هو مرتبط بآلية التضخم. وتوقع الساكت ان يكون اجمالي الرواتب مليارا 850و مليون دينار في الموازنة العامة اي ما يشكل %46 من مجموع الموازنة العامة.
* انتصار الليبرالية الوطنية
وكتب المحرر البرلماني في صحيفة (الدستور) امجد معلا تقريرا تحليليا جاء فيه أن الحراك الحكومي والنيابي تحت قبة البرلمان الذي شهدناه خلال اليومين الماضيين واتسم بالوعي والنضوج لطبيعة المرحلة وبخاصة في الجانب الاقتصادي لم يكن مفاجئا ويعكس ما كان يأمل به المواطن باعتباره الهدف الرئيس للنقاشات والحوارات الجارية في مجلس الامة من اجل تمكين الاردن حكومة ومؤسسات اقتصادية ومواطنين من عبور الازمة الاقتصادية الحادة المتوقع ان يمر بها الاردن في الاشهر القليلة القادمة والمتمثلة بموجة ارتفاع اسعار المحروقات والعديد من السلع الاستهلاكية .
وأضاف المعلا "النقاشات الهادئة التي اتسمت بها كلمات النواب في مناقشاتهم للبيان الوزاري والحوارات المفتوحة التي عقدها رئيس الوزراء نادر الذهبي مع النواب على هامش جلسات المجلس تعكس بوضوح حرص طرفي المعادلة في الاستحقاق الدستوري وهو نيل الحكومة لثقة ممثلي الشعب بان يكون الفهم المشترك لحجم التحديات الاقتصادية وما يترتب عليه من تنسيق بناء يؤدي الى شراكة حقيقية هو عنوان المرحلة المقبلة من العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية" .
وتابع القول "تبني الحكومة لخطاب العرش السامي وبيانها الوزاري المترجم للرؤية الملكية بالخطط والبرامج اظهر مستوى النضج السياسي لرئيس الحكومة وطاقمه الوزاري واكد احترام هذا الفريق للدستور الاردني نصا وروحا مما حظي باحترام اعضاء مجلس النواب ودفع بهم عبر كلماتهم تحت القبة لان يتناغموا مع خطط الحكومة وبرامجها لمواجهة المرحلة المقبلة" .
هذه الاجواء المريحة السائدة في مجلس النواب تومئ الى ان حكومة نادر الذهبي ستحظى بثقة غير مسبوقة من قبل ممثلي الشعب الاردني وهو ان تم فسيكون انتصارا آخر لليبرالية الوطنية يجسد مدى قدرتها على التعامل بجدية مع المهام السياسية ذات الابعاد الاقتصادية وبالتالي ستتوجه نحو تنفيذ خططها وبرامجها مسلحة بدعم شعبي يساعدها في تحقيق التوجهات الملكية برفع مستوى معيشة المواطن وتجنيبه مخاطر الازمة الاقتصادية المتوقع حدوثها .
في الوقت ذاته فان حصول الحكومة على ثقة كبيرة من النواب سيضعها امام تحد جديد لاثبات قدرة الجيل الجديد من السياسيين الاردنيين على تحمل المسؤولية ايا كان شكلها وحجمها ، وربما تكون الازمة الاقتصادية المقبلة هي الامتحان الاصعب الذي على حكومة الذهبي اجتيازه واثبات قدراتها في ادارة دفة الحكم الرشيد والتنفيذ الحصيف لرؤية ملكية حصيفة .
الحكومة بدأت فعليا بالخطوات العملية لحماية المستوى المعيشي للمواطن عبر قرارات اتخذها رئيس الحكومة نادر الذهبي بتثبيت اسعار السلع الاستهلاكية الاساسية في المؤسسة الاستهلاكية المدنية والاعلان عن ان الحكومة ستتدخل من اجل المحافظة على الاسعار عبر توفير كميات اضافية من السلع التي قد يطرأ على اسعارها تغيرات في المدى المنظور.
كما ان الحكومة خصصت 500 مليون دينار في الموازنة من اجل رفع الرواتب وان يتم ربطها بمستويات التضخم .
يلاحظ في النشاطات كافة التي قام بها رئيس الوزراء نادر الذهبي وبخاصة في لقاءاته المكثفة في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال الايام الماضية بالاضافة الى اللقاءات التي عقدها مع وفود عربية واجنبية ان الهم الاقتصادي كان الابرز في خطاب الرئيس ، ففي حين حث الوزارات والمؤسسات التي زارها على اتباع الخطط الهادفة الى تحسين البيئة الاستثمارية وايجاد فرص العمل وحماية المستوى المعيشي للمواطن وشمول اكبر نسبة من الموظفين والمتقاعدين بمظلة الضمان الاجتماعي ، فقد استثمر لقاءاته السياسية مع الوفود العربية والاجنبية من اجل ان يكون التعاون الاقتصادي المثمر هو عنوان علاقات الاردن مع كافة الدول الشقيقة والصديقة .
في المقابل جاءت الغالبية العظمى من كلمات النواب لتثني على الحكومة ومنطقيتها وعقلانيتها في تعاملها مع المرحلة وابدوا تفهما واضحا للظروف الاقليمية الصعبة التي ستعمل في اطارها الحكومة والتي ستشكل تحديا كبيرا على مجمل العملية الاقتصادية في الاردن .
واستطرد "اذا ما استطاعت الحكومة ان تحافظ على علاقات التعاون والشراكة مع مجلس الامة في قادم الايام واذا ما قام مجلس النواب بدوره التشريعي المأمول في انجاز الحزمة المطلوبة من القوانين والانظمة وان يكون عينا رقابية على اداء الحكومة ومسائلا منطقيا لها على اجراءاتها فان الاردن ليس فقط سيعبر الازمة بل سيخرج منها اقوى اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا".
وخلص المعلا في تحليله الى القول "الرؤية والتحرك المشترك التي يلمسها الشعب الاردني في البرلمان لحجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية في الاردن تجسد الحقيقة التي طالما اثبتها الاردن قيادة وحكومة وشعبا بانه الاقدر على التماسك والترابط عند مواجهة اية محنة ليخرج منها اقوى واشد عودا وينهض دائما ليبدأ من جديد مسيرة تنمية وازدهار في شتى الميادين".