حاز الرئيس فلاديمير بوتين لقب "رجل العام" الأول لعام 2006 في روسيا، وأصبح رجل روسيا حسب استطلاعات مركز ليفادا في موسكو بنسبة 35% من المُستطلعين. واحتل المرتبة الثانية دميتري ميدفيديف في هذا الإستطلاع أيضاً. وليس غريباً بأن يختار "البنّاء" الناجح، إن كان رجل سياسة أو رجل أعمال لا فرق، فريق عمل ويختار الأنسب والأصلح منه ليعمل معه كتفاً بكتف وخاصة أن المهمة الموكلة هي وضع حجر الأساس لإشادة مبنى ضخم إلا وهو "روسيا المستقبل"، حيث سيعمل الفريق يداً بيد لصنع هذا المستقبل المشترك، أما أسم الشخص أو الأشخاص "طاقم العمل" غير مهم إن كان زوبكوف أم ميدقيديف، إيفانوف أم زيوغانوف الراقص طرباً بنصره الحقيقي ومتقبلاً تهاني الرئيس بهذا النصر. المهم أنه طاقم عمل متجانس ومتفاهم ويتناوب أدوار القيادة من الظل إلى النور ومن النور إلى الظل .
إن هذه التجربة الروسية الفريدة من نوعها، تجمع خليطاً من تجربتي أوروبا والصين لتُعجن بروح روسيا الجديدة .. والتي بدأت مع انتخاب المغفور له أناتولي سوبتشاك المعروف بتوجهاته الليبرالية ومرونته بمعالجة الإيديولوجية الشيوعية والتي يسميها البعض "العداء للشيوعية"، ليصبح عمدة لمدينة سانت بيتربورغ، ويختار مجموعة من الشباب المتفتح والمؤمن بمستقبل روسيا.
وكانت أراء هذه المجموعة تتراوح بين اليسار المنفتح واليمين المتزمت، وشملت رموز من رجال الأمن ورجال الفكر والإقتصاد ولكن الهم الأكبر والمشترك للجميع كان هو نهضة وإزدهار روسيا فجميع أدوارهم واحد مكمل للآخر، وخلال أعوام كتيرة بدأت نواة هذه المجموعة بالنمو بدءاً من المرحلة الأندروبوفية مستمرة في زيادة أهميتها لما بعد إنتهاء فترة رئاسة بوتين الثانية . ليسلم الراية للرئيس القادم.
إن سياسة الدفاع عن النفس التي تعلمها فلاديمير بوتين وأصبح إستاذا لها منذ عام 1973م. من خلال رياضة السامبا، بدأ بتنفيذها في عالم السياسة بعد أن حصل على تعليمه العالي "phd" من كلية الحقوق عام 1975م. والتي عمل فيها كمدرس محاضر آنذاك أناتولي سوبتشاك، وتخرج الكثير من تلاميذه ومنهم فلاديمير بوتين ودميتري ميدفيديف من نفس الكلية. وقد أختار سوبتشاك وقتها فلاديمير بوتين وعينه، ليشغل بوتين منذ عام 1991 منصب رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية لمحافظ لينينغراد أنذاك، ومن ثم عين نائبا للمحافظ. لقد قدم فلاديمير بوتين استقالته من كافة مناصبه في المحافظة بعد هزيمة اناتولي سوبتشاك في انتخابات عام 1996. لينتقل إلى موسكو ويصبح منذ عام 1996م. نائبا لمدير شئون الرئيس الروسي بافل بورودين والذي عينه بوتين فيما بعد في منصب سكرتير الاتحاد الروسي ـ البيلاروسي ولم ينسى بوتين دوره في سياسة روسيا المعاصرة. واحاط بوتين نفسه بحلفاء مخلصين له من مدينته لينيغراد اؤلئك الذين عمل معهم في مختلف الاوقات، ليكونوا الهيكل العظمي لادارته ويتراسوا مؤسسات الدولة الحساسة. واعاد بوتين الاعتبار لجهاز الاستخبارات ودوره في السلطة وفتح الابواب واسعة امام موظفي الجهاز للعمل في مختلف مرافق الدولة، واعادالاعتبار لجهاز المخابرات ودوره في السلطة، وعزز من مكانة الجيش والقوات المسلحة وصناعتها في البلاد وفتح الابواب واسعة امام موظفي الجهاز للعمل في مختلف مرافق الدولة.
وفي الأمس نفذ فلاديمير بوتين ما وعد به منذ عامين ورشح دميتري ميدفيديف للرئاسة، بل سانده بذلك أربعة أحزاب في آن واحد، ليصبح الأمل الديموقراطي أكبر ليكون هناك أكثر من مرشح رئاسي واحد من أنصار بوتين، إضافة لمرشحي المعارضة، على أن لا يتجوز مرشحوا الرئاسة عن الثمانية. ولتكن الإنتخابات الديموقراطية هي الحكم النهائي. فروسيا أصبحت بعهد بوتين في مصاف كبريات القوى الاقتصادية في العالم إذ تحتل اليوم المرتبة العاشرة من حيث حجم اقتصادها. وطبقا لمعطيات هيئة المراقبة المالية الروسية يعود 80 بالمائة من اقتصاد البلد إلى الرأسمال الخاص، ويتدفق على البلد سيل من عائدات تصدير النفط بحيث صعدت روسيا إلى المركز الأول في تصنيف الدول المنتجة للنفط متقدمة على المملكة العربية السعودية.
واصبح الروبل عملة قابلة للتحويل وصار الشعب يفضل الروبل على سائر العملات الأجنبية وشعر المستثمرون بقدر أكبر من الاطمئنان،. كما أصبحت ضريبة الدخل المتساوية "13 %" تُدفع من قبلكافة المواطنين، وليس كما كان عليه الوضع منذ عشر سنوات . وزادت مداخيل المواطنين ونفقاتهم الاستهلاكية بمعدلات أعلى من ذي قبل، وإتسع صف الطبقة الوسطى، وانخفضت نسبة الجريمة. وتحولت موسكو من "فقاعة مالية" وحيدة كما سماها الصحفي الأمريكي بوريس يوردان لتشمل عشرة مدن أخرى في روسيا الإتحادية زارها الصحفي شخصياً. فأصبحت عملية النمو الاقتصادي حسب تعبيره "تنبسط على كل أرجاء روسيا" وأضاف قائلاً : "في كل مدينة وصلت إليها رأيت أبراج رافعات البناء ترتسم في الأفق".
وبلغ حجم الاستثمارات الأجنبية في روسيا إلى 60 مليار دولار في النصف الأول من العام الجاري. وتعدى نشاط الشركات الروسية إلى دول الجوار كما إنها إحتلت مواقع الإتحاد السوفييتي السابق دولياً، وسلخت الكثير من الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة وأوروبا أيضاًفارتفع حجم الصادرات الروسية إلى الولايات المتحدة بنسبة 30 بالمائة. ويعتز المواطنون الروس بدور بلدهم في الاقتصاد العالمي اليوم، لذلك إن فلاديمير بوتين ضمن مستقبله السياسي ومستقبل خليفتع أيضاً ودوره في السياسة الروسية وبصناعة القرار الروسي سيبقى كما كان إن لم يتعزز أكثر من خلال العمل الجماعي القادم، لقد تمكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من إيجاد عدة شواغر له في قيادة البلاد وكان أخرها زعامة حزب "روسيا الموحدة"، ولكننا نرى أن طموحات الرئيس أكبر من ذلك بكثير.. حتى أنها أكبر من منصب رئاسة الحكومة .. ولكن .. لنتمعن بهدوء فقط إنجازات الرئيس الإدارية الأخيرة، فيرى الجميع معنا مستقبل "فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين" السياسي .