ديوان الشاعر إبراهيم داود الجديد الصادر عن < دار ميريت > بالقاهرة , يبحر في عالم ذات ترى الحصار وتعيش أجواء الليل وتلمس هواجس قابعة في القلب , بسبب ظلام دامس ووجود الحراس في الشوارع الذين ينبحون ويجعلون الخوف يستيقظ , على الرغم من محاولات الانفلات منهم وتجهاله وتجاوزه .
هذا الخوف الذي يتحدث عنه الديوان يقف على رأس الطرق ويعبر عن نفسه ببلاغة كابوسية شديدة الوطأة والتطويق , تحصي الانفاس وتعد الخطوات وتفرض حذر التجوال على الشعر والناس , لذلك فالحرية معتقلة وخائفة وترتجف .
شعر < حالة مشي > يكشف عن حزن يتراكم طبقات فوق بعضها منذ سنوات ويجثم على الروح فيجبرها على الصمت والجلوس إلى النفس , والهروب من < العفاريت > الحرة الطليقة , والتي تجبر على مصالحة الخوف , والذي بدوره يتراكم وينمو مع تلك الاطياف المفزعة .
وتدعو كلمات الديوان , إلى لقاء ما خارج هذا الكهف في مركب عاطفة الحب وفي زورق يبحر داخل مياه أخرى بلا حراس أو خوف أو ظلام . وتلك دعوة للقاء لتحرير الكلام من العتمة . والشعر يملك قدرة رؤية هزيمة الظلام , إذا جاءت الكلمات من جوف الصدق , بل من قلب الشعر , الذي لديه عصا سحرية لها القوة على فك الألغاز وحصار العفاريت وتكبيلها في شوارع الحرية , التي يبحث عنها الشاعر ويسير فيها , لكنه لا يجد سوى الظلام والحراس والقطط السوداء .
وعندما يكون الشاعر حزيناً يسرف في كل شئ , في محاولة لفك الحصار , وفي < آخر الليل وعندما أكون على وشك النوم , ألتقي كوابيس في الطريق > .
ولأن الشاعر الذي تتحدث عنه قصائد < حالة مشي > يعيش حالة حصار , فإنه يدعو الحبيبة التي يناديها ويتخيلها إلى المشي معه والطلوع إلى الجبل والاستماع إلى حكايته عن المآذن واللغة والاخطاء العظيمة والكلاب التي تنبح , والغناء مشتعل , ويعد الشاعر بالحكي عن القوانين التي وضعها لنفسه < لكي أصير : بمفردي > .
وكأن اختيار المشي , هو حالة الانقاذ من الضلال والغموض التي تطلق العفاريت . وهذه الشوارع التي يخوض فيها الشاعر , مشعة بالخوف والحراس ونباح الكلاب , والنفس فيها ترتجف ولا تجد أمامها من حل سوى الهروب إلى أعلى الجبل , لعل في ذلك يكون الانقاذ من طوفان البلادة والموت البطئ , والناجم عن الضجر وغياب الآخر , وشدة العتمة في شوارع مظلمة تمرح فيها القطط السوداء .
هذه الحالة من المشي تنتقل إلى أضواء الصورة في قلب الذاكرة خلال شريط يستدعي بعض لقطات من أفلام والحديث عن الامتلاك والعادات السيئة والضوء الذي جاء من < التبت > ليحاصر الظلام وقطار يعبر من بلد إلى بلد بعد أن فقدت القطارات هيبتها , وظهور صورة لفيلم من بطولة روبرت دي نيرو , ورؤية توم هانكس الذي ركد أكثر مما ينبغي .
وقصيدة < الصورة > تربط فقرات الانتقال من أجزاء فيلم لآخر , لكنها تدور في حالة المشي والبحث عن المعنى وتأمل أحوال الآخرين في العالم المختلف , لعلهم في ساحة حرية يفعلون ما يريدون , لكن الذي يرى هذه الصورة يلقي الأسئلة عن < جوليا > التي استمتعت بقتل زوجها الذي أراد امتلاكها . والامتلاك عادة سيئة لكنها نبيلة مع أن النبل موضوع مشكوك فيه . وأنبل الرجال في < الليالي الكبيرة > يجيئون من أماكن مظلمة .
هذا التداعي في الذاكرة والربط بين لقطات , يعبر عن سيناريو آخر في حالة المشي , عندما تتدفق الصور على شاشة الذاكرة بلا رابط وبلا موضوع إلا الشعور بالضجر والبحث عن أشياء كامنة داخل النفس , فيجري انتشالها من بحار الخوف والحراس وعدم الشعور بالدفء والأمان في هذه المدن القديمة والمقفهرة والخاوية إلا من نباح الكلاب وضجيج الحراس .
وقصيدة < الساحر > ترمز إلى الفيلم الذي أخرجه رضوان الكاشف ومات بعده , بعد أن كسر حاجز التجاهل من حوله وصنع فيلماً مثيراً للتأمل عن التحولات والتغيرات , التي قضت على جاذبية الساحر في عالم لا يفرز سوى الاحباط . مات الكاشف بعد أن لمس بدء نجاحه بفيلمه المعبر والمثير للتفكير , فجاء الموت يجسد المأساة الفردية ويغتال التحقق بإيقاع سريع . فنحن نموت ونحلم معاً ونحاول كسر الحصار والخوف . وكان رضوان الكاشف محباً للحرية والصدق , وكان أيضاً من أهل المشي في شوارع القاهرة خلال الليل , وكنا نراه في أماكن يلتقي فيها محبوا المدينة , الهاربون من الثرثرة والفراغ والنفاق وأقوام القمامة وأخبار رجال الأعمال .
والقصيدة تتداعى بالصور عن عاصفة الصحراء وعن الأم التي ماتت ليلة العيد وكان الطعام على النار ومسرحية < منين أجيب ناس > التي كتبها نجيب سرور وكانت تعرض في التليفزيون . وهذا الربط بين لقطات الحزن والإشارة إلى نجيب سرور , ترمز إلى الشاعر المتمرد , ولاذي كان بمفرده ويلعن الجمود والنفاق ويكتب عن مثقفين ماتوا ويستنهض بطله < ياسين > من جوف الأسطورة الشعبية حتى ينقذ < بهية > من الألم والبلادة والحراس وحكام يكرهون الشعب والتراث .
يجمع إبراهيم داود في قصيدته < الساحر > عشرات الفصول واللقطات ومناظر عن الموت والهزيمة , لكن ابتسامة الراحل رضوان الكاشف كانت أطول منه .
وتتجلى موهبة الشاعر في ربط اللقطات الصغيرة والدالة لنسجها في سيناريو يجسد صورة < إبراهيم منصور > الذي كان عقله هو وعي الجيل وقلبه ينبض بالتفاؤل على الرغم من الهزيمة والانكسار , إذ تحدى النكسة والبلادة وكان يدعو للمقاومة . واختار منصور مقعد النهاية ليحكي بلا توقف حتى جاء ملاك الموت يدعوه إلى عالم آخر بلا ثرثرة ولا احتجاج ولا قوات الأمن المركزي . وترك الناقد والمثقف الأوراق الصغيرة في الصالة والسجائر والجبن والماضي في الثلاجة . وهذه الصورة التي رسمها الشاعر تعبر عن الانتقال من عالم الحياة إلى ثلاجة الغياب والنفي عن الحضور .
عندما شاهدت إبراهيم منصور آخر مرة في القاهرة في مطعم الجريون , كان يضحك ويتكلم كالعادة , فقد انتهت ثورته وتلاشى تمرده , ولم يبق أمامه سوى الكلام مع أصدقاء هم بدورهم رحلوا مثل سيد خميس ورؤوف عياد الرسام الجميل والجرئ , كلهم غابوا دفعة واحدة , كأنما تم استدعاء حضورهم على عجل إلى عالم الصمت .
وإبراهيم داود الشاعر والإنسان هو عضو في قبيلة المحبين للقاهرة والعاشقي لنسيم المدينة التي عاش فيها جيلنا كله , حيث تصعلق أمل دنقل بشعره ومعاركه على مقهى ريش . ونجيب سرور مثل أمل , كان عاشقاً ومحباً لمدينة تمرد عليها ويبصق على ضعفها وهوانها , لكنه كان يحبها . وفي هذا المسار صار أهل الطريق في حالة الحب والوجد والهيام والسخط على هزيمة تلي الأخرى , حتى مقهى < ريش > لم يعد موجوداً للجلوس عليه واحتساء الشاي والنظر إلى البنات الجميلات , لأنهن لم يعدن كذلك , إذ ارتدين < الحجاب > واختفى الجمال وعبق المدينة القديم .
ولم تبق إلا زوايا يجلس فيها إبراهيم داود مع آخرين , يتذكرون أضواء المدينة التي كانت مضاءة بأنفاس هؤلاء الشعراء والكتاب والصعاليك , الذين غابوا مرة واحدة وتركوا خلفهم هذا الصمت والضجر والوحدة .
وقد جلست مع إبراهيم داود مرات كثيرة , متأملاً هذا الشاعر الذي يحمل على كتفه وشعره نبض الصدق ويعيش هموم مدينة تتراكم عليها الأوبئة والفراغ والحزن , بجوار الثراء الذي يلعلع على شاشات التليفزيون في مهرجانات السينما واحتفالات الأثرياء .
< حالة مشي > شهادة على نبض حياة , خالية من إبراهيم منصور ورفاق < الجريون > من سيد خميس إلى رضوان الكاشف , وكان معنا في سهرات المدينة بعد أن ينام الناس , الصديق أحمد جودة , الذي اغتالته يد القدر وحرمته من جلسات الشعر والغضب والتمرد وحب النساء والتعلق بجلال الحياة .
ويكتب إبراهيم داود عن الشاعر السوري الراحل أيضاً محمد الماغوط , الذي بصق على المارة الأغبياء , والذي اكتشف للغضب مزايا اضافية واكتشف طريقاً جانبياً عريقاً , لا يفضي إلى شئ . وفي بار < ستيلا > يتحدث الشاعر عن الذين ماتوا ويذهبون إليه كل ليلة ليطردوا الأشباح عن وسط المدينة , في صورة تعبر عن ضياع والالتفاف حول الأوهام والخمر للهروب أو تخيل الخلاص , الذي لا يأتي أبداً وننتظره كما فعل < جودو > في مسرحية < ريخت > الشهيرة .
هذا الديوان , رحلة مفعمة بالتأمل في أحوال الذات وزمن الثرثرة والصمت معاً , العجز مع الحلم , لكن الرمز الأكبر , هو تلاشي المعنى وبقاء الخوف مع الحزن في واقع يتحكم فيه المنتصرون الفارغون من الداخل, لكنهم تمكنوا من هزيمة أجيال إبراهيم منصور ونجيب سرور ورضوان الكاشف , وجعلوا المدينة التي كانت مضاءة بهم تعيش زمن الخفوت , بينما توجه هؤلاء الأثرياء الأغبياء إلى بناء مدنهم الجديدة على شواطئ البحر الأحمر , أما قاهرة الشعراء والكتاب والصعاليك فيهيمن عليها الحراس ونباح الكلاب والقطط السوداء .